التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٣٥٢
أوّلاً : أن ذلك غير مختص بغسل الجنابة ، بل الأمر كذلك في كل مقدّمة لا يمكن الإتيان بها بعد دخول وقت الواجب كغسل الحيض والنفاس والاستحاضة فيما إذا طهرت قبل طلوع الفجر ، فلازم ذلك الالتزام بالوجوب النفسي في الجميع .
وثانياً : أن الحصر غير حاصر ، فان لنا أن نلتزم بوجوب الغسل للغير لا بوجوبه النفسي ولا الغيري ، وهذا لا بملاك مستقل غير ملاك الواجب ليرد محذور تعدّد العقاب عند ترك الواجب لترك مقدّمته ، بل بملاك نفس ذي المقدّمة لا بوجوبه النفسي ولا الغيري . وقد بيّنا في محلِّه أن الواجب للغير غير الواجب الغيري[١] فنلتزم بأن غسل الجنابة وغيره من المقدّمات غير المقدورة في ظرف الواجب واجب للغير ، فلا يتعيّن القول بالوجوب النفسي حينئذ للفرار عن المحذور .
وثالثاً : يمكننا القول بوجوبه الغيري ، لأن الصوم إنما وجب من أوّل اللّيل بل من أوّل الشهر ، لقوله تعالى : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ )[٢] بناء على أنّ المراد بالشهادة هو الرؤية ، فالوجوب قبل طلوع الفجر فعلي والواجب استقبالي وظرفه متأخر كما التزمنا بذلك في جميع الواجبات المعلّقة ، ومع فعلية الوجوب تجب المقدّمة ولا يشترط في وجوبها فعليّة ظرف الواجب أيضا .
ورابعاً : يمكننا إنكار وجوب الغسل حينئذ راساً ولا نلتزم بوجوبه ولو مقدّمة لأنا لا نلتزم بوجوب مقدّمة الواجب عند فعلية وجوب ذي المقدّمة شرعاً فضلاً عما إذا لم يجب ، وإنما تجب المقدّمة عقلاً تحصيلاً للغرض الملزم ، فان ترك المقدّمة تفويت اختياري للواجب ، بلا فرق في ذلك قبل الوقت وبعده ، لأنّ العقل هو الحاكم بالاستقلال في باب الإطاعة والعصيان ، وحيث إن الإتيان بالواجب موقوف على إتيان مقدّمته ولو قبل الوقت فالعقل مستقل بلزوم إتيانه كذلك ، لأن تركه ترك للغرض الملزم بالاختيار .
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] محاضرات في اُصول الفقه ٢ : ٣٥٥ .
[٢] البقرة ٢ : ١٨٥ .