التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ١١٣
استحباب العود والإتيان بالمشكوك فيه إلاّ أن الإجماع المتقدِّم ذكره مانع عن ذلك ولأجله تحمل الموثقة على التجاوز عن الوضوء أو على محمل آخر ، فالأخذ بالصحيحة إنما هو لأجل الإجماع لا لأنها على طبق القاعدة هذا .
ولكن هذا الكلام مما لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأن الإجماع المتقدّم ذكره إجماع مدركي وليس إجماعاً تعبديّاً كما مر ، والصحيحة وردت على طبق القاعدة لا على خلافها ، بيان ذلك : أن الضمير في الموثقة في قوله (عليه السلام) : "في غيره" إما ظاهر في الرجوع إلى الوضوء وإما أنه مجمل ، لأن الوضوء أقرب إلى الضمير من كلمة "شيء" ، ومعناه أنه إذا شككت في أمر من اُمور الوضوء بعدما خرجت عن الوضوء ودخلت في غيره من الصلاة أو غيرها فشكك ليس بشيء . فالموثقة غير منافية للصحيحة ولم تدل على عدم الاعتناء بالشك في أثناء الوضوء .
ودعوى ان كلمة "شيء" أصل و "من الوضوء" تابع لأنه جار ومجرور والضمير يرجع إلى الأصل والمتبوع لا إلى التابع ، ممّا لا أساس له في شيء من قواعد اللغة العربية ، لأن المعتبر هو الظهور العرفي ، ولا ينبغي الإشكال في أن رجوعه إلى الأقرب أظهر ولو كان تابعاً ، وعليه فلا موجب لحمل الصحيحة على الاستحباب وإنما هي على طبق القاعدة .
وأما إذا تنازلنا عنه ولم ندع ظهور الضمير في رجوعه إلى الوضوء فلا أقل من إجماله ، ومعه أيضاً لا موجب لرفع اليد عن ظهور الصحيحة لأنه حجّة ، والحجّة لا يرفع اليد عنها إلاّ بما هو أظهر منها لا بالمجمل كما لا يخفى ، بل ظهور تلك الصحيحة يرفع الإبهام والإجمال عن مرجع الضمير في الموثقة ، لما قدمناه في مباحث العموم والخصوص من أن العام إذا خصص بمنفصل مجمل ودار الأمر بين التخصيص والتخصّص كان العام بظهوره مفسِّراً لإجمال الدليل المنفصل وموجباً لحمله على التخصّص [١] ، كما إذا ورد "أكرم العلماء" ثمّ ورد منفصلاً "لا تكرم زيداً" ودار الأمر
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] محاضرات في اُصول الفقه ٥ : ٢٤٢ .