رسالة في حجية الظن - الكلباسي، أبو المعالي - الصفحة ٥ - المقدمة الاولى فى المقصود بالحجيّة
الشيء عن البيان و علل بان الفرق بين الوضع و التكليف ممّا لا يخفى على من له ادنى مسكة و التكاليف المبنية على الوضع غير الوضع و الكلام انّما هو فى نفس الوضع و بالجملة قول الشّارع دلوك الشمس سبب الصّلاة و الحيض مانع عنها خطاب وضعىّ و ان استتبع تكليف او هو ايجاب الصّلاة عند الزّوال و تحريمها عند الحيض كما ان قوله تعالى أقم الصّلاة لدلوك الشّمس و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) دعى الصلاة ايام اقرائك خطاب تكليفى و ان استتبع وضعا و هو كون الدّلوك سببا و الاقراء مانعا و الحاصل ان هناك امرين متباينين كلّ منهما فرد للحكم فلا يعنى استتباع احدهما للآخر عن مراعاته و احتسابه فى عداد الاحكام اقول انه لو كان التكاليف المبنية على الوضع غير الوضع بلا كلام فلا مجال للكلام فى الوضع لوضوح ان الوضع غير التكليف على ذلك ايضا بلا كلام قضيّته ان مغايرة شيء لشيء يقتضى مغايرة الشيء الثّانى ايضا للشيء الاول نعم التكاليف المشار اليها لا كلام فى ثبوتها بالاصالة و الكلام فى استقلال الوضع و رجوعه اليها و لعلّه اراد ان يذكر ذلك لكنّه ما ذكر من باب الخلط و الاشتباه و ايضا الظّاهر بل بلا اشكال ان المقصود بالاستتباع هو تعقّب بيان السّببيّة و المانعيّة فى دلوك الشّمس سبب للصّلاة و الحيض مانع عنها بالدلالة على الوجوب و الحرمة و تعقب الايجاب و التحريم فى أقم الصّلاة لدلوك الشمس و دعى الصّلاة ايام اقرائك بالدلالة على السببيّة و المانعيّة لا انّ المفهوم من العبارة فى المثالين الاولين هو الوضع بالمطابقة و التكليف بالالتزام بملاحظة ان الظّاهر ابتناء الوضع على التكليف و المفهوم من العبارة فى المثالين الاخيرين هو التكليف بالمطابقة و الوضع بالالتزام بملاحظة ان الظّاهر ابتناء التكليف على الوضع نظير الاستدلال على دلالة النّهى على الفساد بان الظّاهر من النّهى كون الحرمة من جهة الفساد اذ لا مجال لاستناد الوضع الى التكليف و الامر بالعكس مع انه لا مجال لاختلاف الناشى و المنشإ و لو مع اختلاف المورد و اورد بانّه اذا قال المولى لعبده اكرم زيدا ان جاءك فهل يجد المولى من نفسه انّه انشاء إنشاءين و جعل امرين احدهما وجوب اكرام زيد عند مجيئه و الآخر كون مجيء زيد سببا لاكرامه او ان الثانى مفهوم منتزع من الاوّل لا يحتاج الى جعل مغاير للجعل الاول و لا الى بيان مخالف للبيان الاوّل و لذا اشتهر فى السّنة الفقهاء سببيّة الدلوك و مانعيّة الحيض و لم يرد من الشّارع الّا انشاء طلب الصّلاة عند الاوّل و طلب تركها عند الثّانى فان اراد تباينهما مفهوما فهو اظهر من ان يخفى كيف لا و هما محمولان مختلفا الموضوع و ان اراد كونهما مجعولين بجعلين فالحوالة على الوجدان لا البرهان و كذا لو اراد كونهما مجعولين بجعل واحد فان الوجدان شاهد على ان السّببيّة و المانعيّة فى المثالين اعتباران منتزعان كالمسببيّة و المشروطية و الممنوعيّة مع ان قول الشّارع دلوك الشّمس سبب لوجوب الصّلاة ليس جعلا للايجاب استتباعا كما ذكره بل هو اخبار عن تحقق الوجوب عند الدلوك هذا كله مضافا الى انه لا معنى لكون السّببية مجعولة حتّى يتكلّم فى انه بجعل مستقل أو لا فانا لا نعقل من جعل الدلوك سببا للصّلاة الا انشاء الوجوب عند الدلوك و الا فالسّببية القائمة بالدلوك ليس من لوازم ذاته بان يكون فيه معنى يقتضى ايجاب الشارع فعلا عند حصوله و لو كانت لم تكن مجعولة و لا نعقلها ايضا صفة اوجدها الشّارع فيه باعتبار الفصول المنوعة و لا الخصوصيّات المصنفة او المشخّصة اقول انّه لو قيل ان جئتنى اعطيك درهما او ان اكلت السمّ تموت او ان تبت تصير عادلا فمقتضى الاشتراط النّحوى انما هو السببيّة المذكورة الّا انّها جعلية فى الاوّل و عادية فى الثّانى و شرعيّة فى الاخير و لو افاد الاشتراط للسّببيّة فيما خلى عن افادة التكليف كما فى الامثلة المذكورة فهو يفيد السّببية فيما كان مفيدا للتكليف مثل ان جاءت زيد فاكرمه بالقطع و اليقين اذ لا مانع عن افادة السّببية غير افادة الوجوب و ليس افادة الوجوب قابلة للمنع عن افادة السّببية بلا شبهة و من ذلك انه لو امر بشيء مقيدا بالعبادة نحو اقرأ السّورة فى الصّلاة او توضأ للصّلاة او نهى عن شيء مقيّد بالعبادة نحو لا تكتف فى الصّلاة فالامر يدل على الوجوب و الجزئية فى المثال الاوّل و الوجوب و الشرطية فى المثال الثّانى و يدل النّهى على المانعة و الحرمة فى المثال الثّانى يتاتى الفساد فى الاوّلين بترك السّورة و ترك الوضوء سهوا و يتاتى الفساد
فى الاخير بالتكتف شهرا ايضا و ان لا يطرد الوجوب و الحرمة فى حال السّهو فالامر فيما ذكر من باب الاشتراط و الممانعة لا الواجب فى الواجب او الحرام فى الواجب و ما ربما قيل من دلالة الامر و النّهى فى المثالين على خصوص الحكم الوضعى اعنى الجزئية فى الأوّل و الممانعة فى الثانى فقط ليس بشيء و كذا ما ربما قيل من انّ