رسالة في حجية الظن - الكلباسي، أبو المعالي - الصفحة ٤٩ - المقدمة العاشرة انه قد اختلف فى بقاء التكليف فى زمان انسداد باب العلم
خلاف ظاهر التفصيل المتقدّم اذ الظاهر تناسق التكاليف الواقعيّة و التكاليف الظاهريّة فى باب الاناطة نفيا و اثباتا بعدم اناطة التكاليف الظاهريّة بالعلم بها فلم يرد النفى و الاثبات فى مورد واحد و المنشأ شركة العلم و اشتراك الصّورة اعنى صورة العلم و ايضا لا يخرج الامر عن حجيّة مطلق الظنّ و الظّنون الخاصّة اذ لا اعتبار بالقول بعدم اعتبار الظنّ راسا فاشتراط العلم فى باب التكليف الظّاهرى كما ترى و ايضا الكلام فى التّكاليف الواقعيّة قضيّة اخذها فى دليل الانسداد فالتفصيل بين التكاليف الواقعيّة و التّكاليف الظّاهريّة من باب التفصيل بين المتنازع فيه و غيره و المرجع الى القول بالبقاء على الاطلاق و بما مرّ يظهر ضعف القول ببقاء التكاليف الواقعيّة على ما هى عليه و كذا تخصيص البقاء بالمعلوم و كذا تفسير التكاليف بالتكاليف الظّاهرية مضافا الى انّ حمل التكاليف الواقعيّة على التكاليف الظّاهريّة من قبيل التجوّز بعلاقة التّضاد و هو غير ثابت فى غير اطلاق الزنجي على الكافور و امّا تفسير البقاء بالبناء فى كل واقعة على شيء فهو خلاف الظّاهر بلا شبهة مع ان الظاهر بل بلا اشكال ان المقصود وجوب البناء فى كل واقعة على حكم و لو من باب الحكم العملى مع انّ هذا وظيفة المجتهد و لا يتمشّى من المقلّد فكان المناسب دعوى وجوب البناء من المكلّف فى كلّ واقعة من باب الاجتهاد او التقليد على حكم اللهمّ الّا ان يكون المقصود بالبناء ما يعمّ الاجتهاد و التّقليد مضافا الى ما يقال من ان اتّفاقهم على بناء العمل انّما هو بعد تعيين الحجة و الماخذ و تحصيل المتّبع لانفسهم كما يشهد بذلك صريح قوله بل يتفحّصون عن مدارك الواقعة فان وجدوا فيها دليلا خاصّا الخ حيث ان التفحّص و الرّجوع ليس الا بعد ما ثبت اعتبار تلك الادلّة عندهم و ح فهذا الاجماع لا ينفع بحال من لم يثبت عنده حجية شيء من الادلة و يكون بصدد تحصيل الحجّة و تعيين المتّبع الّا ان يقال انّ عدم ثبوت اعتبار المدارك لا ينافى اعتبار الا الإجماع على وجوب البناء و الاستدلال بالاجماع المذكور و بما ذكر يظهر سقوط التفسير بعدم السّقوط و أورد عليه بان المراد من وجوب البناء فى كل واقعة على حكم لا يخلو اما وجوب تحصيل العلم بحكم الواقعة من الوجوب و النّدب و غيرهما كما هو الظّاهر من كلامه او وجوب كون العمل فى ظرف الخارج على طبق مقتضى واحد من الاحكام بمعنى انه يجب على المكلّف مثلا فى كلّ واقعة مثل قراءة السّورة فى الصّلاة ان يكون عمله فيها اما على وفق مقتضى الوجوب او النّدب او غيرهما او وجوب [٢] الاخذ به و جعله حكما لنفسه مثلا فى واقعة شرب العصير يجب على المكلّف ان يجعل حكمه فيها امّا الحرمة او الإباحة و لو كانت من باب الاباحة العقليّة او الكراهة و كذلك فى جميع الوقائع و الجميع فاسد امّا الاوّل فلان وجوب تحصيل العلم بحكم الواقعة كليّة فى جميع الموارد و الوقائع ممنوع و لم يقم عليه دليل قطعىّ لا عقلا و لا شرعا و الدّليل الظنّى على فرض ثبوته غير كاف و دعوى الاجماع مدفوعة بان حجيّة الاجماع انما هى من جهة الكشف عن قول الامام عليه السّلم و يشترط فى جريان حكمه فى حقّنا ان لا يكون الجمع عليه مقيدا بقيد غير حاصل لنا سواء كان الاجماع قوليا او فعليّا فلو اجمعوا على وجوب صلاة الجمعة عند وجدان الامام عليه السّلم فلا يجرى فى حقنا الفاقدين له بخلاف اجماعهم على تحريم الخمر من دون تقييد فى فتاويهم فانه يكشف عن اطلاق التّحريم الشّامل لنا فيكفى فى الاجماع القولى فى ثبوت حكمه لنا مجرّد اطلاق فتاويهم الكاشف عن اطلاق قول الإمام (ع) و امّا الاجماع الفعلى فلعدم تحقق الاطلاق فيه لا بدّ فى حجيّته لنا من العلم بان عملهم ليس مستندا الى جهة غير موجودة لنا فالعلم بالاستناد الى الجهة المشار اليها او الظنّ به بل مجرّد الاحتمال قادح فى الحجيّة و على تقدير تسليم الاجماع لا يثبت الكليّة ففيما دار حكم الواقعة بين الوجوب و غير الحرمة نقول يجوز للمكلف ان يعمل بمقتضى الاحتياط و لم يعين حكم هذه الواقعة بل يجعله باقيا فى مطمورة الجهل و كذا فيما دار الحكم بين الاباحة و الاستحباب او بين الاباحة و الكراهة او بين الاستحباب و الكراهة فما الّذى ذلك على وجوب تحصيل العلم بحكم الواقعة فى هذه الموارد و اى محذور يرد على عدم الوجوب [٣] كما يظهر على الناظر فى طريقة الفقهاء هذا مضافا الى ان المفروض سدّ باب العلم بالواقع فتحصيل العلم بالظّاهر فرع ثبوت حجية
شيء من الادلّة فما لم يثبت المتّبع بعد انسداد باب العلم كيف يمكن دعوى امكان تحصيل العلم لا يقال انّ امكان تحصيل العلم بحكم الواقعة لا يتوقف على ثبوت حجيّة الظنّ او غيره من الادلّة بل هو مقتضى بطلان التّكليف بما لا يطاق و عدم جواز القبح على الشّارع حيث ان ما يصلح طريقا لاخذ الحكم محصور بين امور فان ثبت التّرجيح لبعضها فهو و الّا فالعقل حاكم بالتّخيير و الا للزم احد المحذورين
[٢] الافتاء بواحد منها او وجوب
[٣] بل يمكن التمسّك بالاجماع على عدم الوجوب