رسالة في حجية الظن - الكلباسي، أبو المعالي - الصفحة ٥٠ - المقدمة العاشرة انه قد اختلف فى بقاء التكليف فى زمان انسداد باب العلم
لانا نقول انّه لا يلزم من مجرد ذلك امكان تحصيل العلم اذ يقع الشك فى ترجيح بعض المحتملات على بعضها كما قد يقع الشّك فى بطلان البعض و ايضا قد يقع الشك فى انّ الحكم فيما لا نصّ فيه هل هو الاحتياط او البراءة و النّقل لا يفيد سوى الظّن سيّما بعد تعارضه من الطرفين و العقل ايضا متعارض فانّه كما يحكم بقبح التكليف عند الجهل به كذلك قد يحكم بوجوب دفع الضرر المحتمل فغاية ما يتحصّل بعد النظر و التّرجيح هى الظّن و بالجملة تحصيل العلم بحكم الواقعة لا يتم الّا بعد ثبوت الماخذ و الحجّية فى غير المعلومات و اما الثانى فلانّ خلوّ المكلّف فى ظرف الخارج عن مقتضى واحد من الاحكام ممّا يكون محالا عقلا و عادة فلا معنى لتعلّق الوجوب به كما لا يخفى و اما الثالث فلان وجوب الافتاء مطلقا على كلّ احد ممنوع و الدّليل عليه مفقود مضافا الى انه فرع العلم او الظن المعتبر و مع فقدهما فلا و امّا الرابع فلان جعل الحكم حكما للواقعة و الاخذ بها من غير دليل باطل قطعا و معه فرع وجود الدّليل المعتبر و التفويض الى اختيار المكلّف و ارادته مقتضى التخيير الّذى حكموا ببطلانه اقول انّ ما استظهره المورد اعنى الوجه الاوّل من الوجوه المذكورة فى شرح المراد بتفسير البقاء بوجوب البناء غير مراد كيف لا و صريح التفسير المشار اليه يقضى بان الغرض وجوب البناء على حكم من الاحكام و لو كان هو الإباحة و اين هذا من وجوب تحصيل العلم و ايضا ما ذكره من ان المدار فى حجيّة الاجماع على الكشف عن قول الامام عليه السّلم بعد فساد اعتبار القول بكون المدار على الكشف عن الراى اللهم إلّا ان يكون المقصود بالقول هو الراى كما يطلق القول على الرّأي مدفوع بما حرّرناه فى محلّه من ان المدار على افادة العلم من جهة تراكم الظّنون و المرجع فى حجيّة الاجماع الى حجيّة العلم و ايضا ما ذكره فى تزييف الوجه الثّالث يكشف عن كون الغرض من الوجه الثّالث هو وجوب الافتاء فى جميع الوقائع بل هذا هو الظّاهر من الوجه المشار اليه لكن صريح التفسير المتقدّم يقضى بان الغرض الوقائع الواردة على الشخص لا مطلق الوقائع و امّا التفسير الاخير فبعد رجوعه كما مرّ الى تفسير التكاليف الواقعيّة بالتكاليف الظاهريّة و قد مرّ الكلام فيه مدفوع بظهور بقاء التكاليف الواقعيّة فى بقائها على ما هى عليه من غير ان يكون لها بدل و بعد ما مرّ اقول انه لا شكّ فى اناطة استحقاق العقاب على ترك الواجب و فعل الحرام بالاطلاع على الوجوب و الحرمة علما او ظنّا ثبت حجيّته كيف لا و لو لا هذا لما قام من اصالة البراءة عود و لا عمود و ان قلت انه لو كان الامر على ذلك فكيف وقع الكلام فى باب معذوريّة الجاهل القاصر فى عباداته قلت انّ المقصود بالعذر فى عبادات الجاهل القاصر و المقصّر انما هو الصّحة كما يظهر بالرّجوع الى كلماتهم فى باب الجاهل و ان قلت انه لو كان الامر على ذلك فكيف ذكر فى كلماتهم اختصاص العذر بالجاهل بقصر الصّوم فى السّفر فانه اذا صام لا يجب عليه القضاء و الجاهل بحرمة وطى الحائض و الجاهل بعدم جواز الافاضة من عرفه قتل الغروب و الجاهل بالجهر و الاخفات و قال العلّامة فى القواعد و الجاهل عامد الا فى الجهر و الاخفات و غصبيّة الماء و الثّوب و المكان و نجاستهما و نجاسة البدن و تذكية الجلد الماخوذ من مسلم و مقتضاه عدم معذوريّة الجاهل فى غير ما ذكر قلت الظاهر ان المقصود بما ذكر فى كلماتهم من اختصاص العذر بالموارد الاربعة انّما هو اختصاص العذر فى الجهل الناشى عن التقصير و بما ذكر يظهر الحال فيما ذكره العلّامة من العذر فى الجهر و الاخفات و اما سائر ما ذكره فالامر فيه من باب الشّبهة الموضوعية و لا يرتبط بما نحن فيه و ان قلت ان مقتضى تعريف الواجب و الحرام فى كلماتهم بما يستحقّ فاعله الثواب و ما يستحق تاركه العقاب عدم اناطة استحقاق الثواب و العقاب بالعلم قضيّة اطلاق التّعريفين قلت الظّاهر ان الإطلاق فى مقام الاجمال اعنى ان الغرض كون المدار فى الواجب على حال الترك من حيث استحقاق العقاب قال الفعل فى الحرام و فى الحرام على حال الفعل قبال التّرك فى الواجب و ليس الغرض بيان حال العقاب تفصيلا حتى يقتضى عدم اشتراط العلم و يمكن ان يقال ان مقتضى ما ذكر فى كلماتهم من انّ النزاع فى عقليّة الحسن و القبح انّما هو فى الحسن
و القبح بمعنى استحقاق الفاعل للمدح عاجلا و الثّواب آجلا و استحقاق الذمّ عاجلا و العقاب آجلا انّما هو كون استحقاق الثواب و العقاب على نفس الفعل ليس الّا بل مقتضاه عدم اناطة الثواب بقصد القرية بل مقتضى ما فى كلماتهم من تمثيل الحسن بالاحسان هو ترتّب الثواب على الإحسان بدون قصد القربة بناء على ما سمعت من ان المتنازع فيه فى باب عقليّة الحسن و القبح هو الحسن بمعنى ترتّب المدح و الثواب فى العاجل و الاجل و القبح هو الحسن بمعنى ترتّب الذمّ و العقاب فى العاجل و الاجل بل مقتضى ما ذكره شيخنا البهائى من انّ حسن الإحسان و قبح العدوان ممّا