رسالة في حجية الظن - الكلباسي، أبو المعالي - الصفحة ٢٢٦ - الثّالث انه لو لم يجب العمل بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح
و كون الشرط مصلحا لحال الاقتضاء فعليه المدار و منه اشتراط اخضرار الاشجار بوصول الماء الى عروق الاشجار و ان كان العقل حاكما جزما او ظنّا بناء على حجية الظنّ بممانعة الضد فعليه المدار و منه ممانعة هبوب الريح من إضاءة فتيلة السّراج بخلاف وصول الماء الى عروق الاشجار و ما نحن فيه من هذا الباب حيث ان العقل يحكم باكمال العلم لحال استحقاق العقاب و عدم استقلال العقل فى استحقاق العقاب بل يمكن ان يقال ان اقتضاء الطبائع للآثار بالذات لا بواسطة العوارض الخارجة و اما الفصول فالطبيعة دائر امرها مدار الفصول و هى تنقسم على حسب اقسام الفصول و لا اقتضاء لها بنفسها لعدم استقلال الجنس فى الوجود ففى المقام استحقاق العقاب على نفس الفعل اذ حال العلم و الجهل من العوارض الخارجة فالجهل من باب المانع و لا يكون العلم من باب الشرط و ان امكن القول بانه لا باس باستقلال الجنس فى استحقاق العقاب مع قطع النظر عن الفصول و دعوى ان الجنس غير متاصل فى الوجود مردودة بان الجنس متاصل فى الوجود و ليس الفرد الا الجنس الموجود و لا سيّما بعض الافراد حيث انه لا يكون ممتازا عن الطبيعة الا بالوجود و ان يكون بعض الافراد مقرونا ببعض الامور زائدا على الطبيعة فالجنس انما يقتضى ما يقتضيه لكن قد يتطرق عليه باعتبار الفصل ما يصير قاهرا على اقتضاء الجنس فيختلف اقتضاء الجنس و الفرد و منه الصّدق الضّار و الكذب النافع لكن قد يكون الجنس خاليا عن الاقتضاء الا ان الفصل يقتضى بعض الآثار هذا فى دوران الامر بين اشتراط الشيء و ممانعة ضده و اما دوران الامر بين اشتراط الشيء و ممانعة عدمه فلا مجال له لان الاعدام لا تاثير لها فى الاصلاح و لا فى الافساد فلا مجال لممانعة لعدم و قد تقدم وجهان آخران فى الاستدلال على ممانعة الجهل مع الكلام فيهما بل تقدم نصرة القول باشتراط العلم لكن تاذى الخيال فى هذه الاوان الى القول باشتراط العلم مع مزيد كلام فى المقام و لذا تطرق الحاجة الى تكرار البحث فى هذه الأيام رابعها أنه لا اشكال فى تطرق العقاب فى ترك الواجب على التمرد و لا اشكال فى جواز العقاب بالنار على التمرد قضية ان غاية عظمة اللّه سبحانه توجب جواز العقاب بالنار على التمرد و لا اشكال فى اختلاف العقوبات باختلاف الواجبات و هو يكشف عن مداخلة نفس ترك الواجب فى العقاب و الا فالتمرد لا يختلف عقابه باختلاف الواجبات فلو كان العقاب منحصرا فى جهة التمرد لما اختلف العقوبات و لا اشكال فى ان ارباب التربية يعاقبون على تقوية المصالح كما يعاقبون على احداث المفاسد و يختلف عقوباتهم فى تقوية المصلحة باختلافها ضعفا و قوة و لا اشكال فى ان ترك الواجبات الشرعية يكشف عن خبث النفس و يختلف خبث النفس شدة و ضعفا باختلاف شان الواجبات كما ان تفويت المصالح و الكمالات العرفية يكشف عن دناءة النفس و رذالتها و يتاتى الاشكال فى جواز العقاب من الحكيم العادل بالنار على تفويت المصلحة الكامنة فى الواجبات لكن ما يفعله الحكيم خال عن الاختلاف و ما لا يدركه العقل غير عزيز بل يتاتى الاشكال فى العذاب بالنّار على فعل الحرام مع قطع النظر عن التمرد اللهم إلّا ان يقال ان استحقاق النار على فعل الحرام انّما يتاتى بملاحظة كونه فى حضور اللّه سبحانه و لا ريب فى اختلاف قبح الفعل بكونه فى السرّ و العلانية سواء كان من المحرّمات الشرعية او غيرها فيزيد قبح الفعل [١] بمزيد شان من يرتكب القبيح بحضوره كما انه يزيد قبح الفعل و يزيد العقاب المترتب عليه بمزيد الحضار فلمّا كان شان اللّه سبحانه فوق ما يمكن ان يتصور فلا بد من كون العقاب المترتب على ارتكاب الحرام فوق الدرجات فقد بان انه لا اشكال فى اختلاف ركاكة المعاصى الشرعية و المعاصى العرفية بالاسرار و الاظهار و يمكن ان يقال ان العقاب فى ترك الواجب انّما هو على خبث النفس او بواسطة كون الترك قبيحان بالعرض بواسطة كونه كاشفا عن خبث النفس حيث ان مزايا الحسن حسنة و مزايا القبيح قبيحة و يرشد اليه ان ابرام الناس فى وجوه زينة الدنيا من جهة كونها كاشفة عن الغنى المحبوب عندهم و استنكارهم عن ترك تلك الوجوه من جهة كونها كاشفة عن الفقر المستنكر عندهم و من ذلك قبح التجرى على المعصية حيث ان قبحه بواسطة الكشف عن خبث النفس على ما حرّرناه فى محله بل مقتضى بعض الاخبار ان الخلود فى النار من جهة زيادة الخبث المقتضية لقصد دوام المعصية او بواسطة كون تفويت المصلحة قبيحا
فى نفسه لكن نقول ان العقاب على خبث النفس لو لم يرجع
[١] و يزيد العقاب الذى يقتضيه فعل القبيح