رسالة في حجية الظن - الكلباسي، أبو المعالي - الصفحة ٦٦ - المقدّمة الثّالثة عشر انّه جرى بعض على ما يقتضيه كلامه على ان الاصل الاولى فى زمان انسداد باب العلم و عدم ثبوت غير قيام العلم مقام العلم وجوب الاحتياط
بعدم حجية الصّفة و كذا جواز الجمع بين التقييد بالصّفة فيما لو قيل مثلا اعتق رقبة مؤمنة مع القول بعدم حجية مفهوم الصفة اذ التخصيص و التقييد من الوادى الواحد بل لو قيل ان جاءك زيد فاسكن فالمفهوم عدم وجوب السّكون على تقدير المجيء و هو اعمّ من اباحة السّكون و استحبابه و كراهته و حرمته فلا يقتضى المفهوم حرمة السّكون حتى يلزم وجوب الحركة فلا يثبت بالمفهوم ضد الحكم المذكور كما ربما يتوهّم اشتباها بين عدم تخلّل الواسطة بين الموضوع المذكور و الموضوع الغير المذكور و تخلل الواسطة بين الحكم المذكور و الحكم الغير المذكور نعم لو كان المقصود بالامر فى مثل المثالين هو الرّخصة فالمفهوم يثبت الحرمة إلّا انه ليس من جهة اقتضاء المفهوم فى نفسه بل من جهة انحصار ضدّ مطلق الرّخصة فى الحرمة فما توهّمه بعض و يوهمه كلام غير واحد من دلالة المفهوم على الضدّ كما ترى و مزيد الكلام فى المراحل المذكورة موكول الى ما حرّرناه فى محله لكن يمكن القول بان المفهوم و ان لا يقتضى بذاته ازيد من رفع الحكم المنطوقى لكنّه بما ينصرف الى بعض الاضداد من باب انصراف المطلق الى بعض الافراد اذ المفهوم لا يخرج عن الاطلاق فلو قيل ان جاءك زيد فاكرمه فالمفهوم و ان لا يقتضى ازيد من عدم الوجوب على تقدير عدم الوجوب المجيء لكن لا باس بانصراف عدم الوجوب الى الحرمة فيمكن فى مقامنا هذا دعوى انصراف عدم حرمة العمل بالعلم الى الوجوب و بعد هذا اقول ان النّهى عن العمل بما عدا العلم يعمّ التوقف بناء على امكانه لدخوله فيما عدم العلم فالتوقف داخل فى المنهىّ عنه لا المامور به و بعبارة اخرى داخل فى المنطوق لا المفهوم و بعد هذا اقول ان العمل لا يصدق على التوقف و ان يصدق عليه ما عدا العلم فالتوقف غير داخل فى المنطوق و لا فى المفهوم و بعد هذا اقول انّه يرجع ما دفع به الايراد بكون العمل بالاحتياط عملا بغير العلم الى عدم شمول النّهى عن العمل بغير العلم للاحتياط و انت خبير بانّ عدم شمول النّهى عن العمل بغير العلم للعمل بالاحتياط لا يجدى فى اعتبار الاحتياط لعدم خروجه عن كونه مشكوك الاعتبار غاية الامر عدم دخوله فيما ثبت عدم اعتباره و امّا الاصل الثانوى فقد استدل على عدم وجوب الاحتياط بوجوه ايضا الاوّل الاجماع القطعى و قرره بثلاثة وجوه احدهما انّه لم يلتزم احد من الفقهاء خلفا بعد سلف بالاحتياط فيما عدا المعلومات و لم يحتمله احد سوى الفاضل الخوانسارى فى تعليقاته على تعليقات الباغنوى حيث انّه بعد احتمال اعمال اصل البراءة مطلقا فى جميع الوقائع كما ياتى احتمل وجوب الاحتياط مطلقا ايضا فى قوله و بازاء هذه الطّريقة طريقة اخرى و هو تحصيل البراءة اليقينيّة فى الجميع بالإتيان بكل ما احتمل وجوبه و ترك كل ما احتمل حرمته لكنه ابطله بقوله لكن لا يمكن العمل به فى بعضها كما اذا كان مردّدا بين الوجوب و الحرمة و ايضا رعاية ذلك فى جميع ما يمكن و غايته يوجب الحرج و الضّيق المنفيين فى الدّين و قال بعد ذلك فلعل العمل بالطّريقة المشهورة و هى العمل باخبار الآحاد و رعاية الظنّ الحاصل بها و لسائر الادلّة المشهورة الشرعيّة و الجمع بينها اذا احتج الى الجمع اظهر و اسلم و لم يحك عنه هذا الخيال فى كثير من الكلمات بل لا يحضرنى فى الحال من حكى عنه ذلك الخيال لكن ليس ذلك الا من جهة اظهار المتخاطرات فى الخاطر و ليس الغرض البناء على ذلك كما هو الحال فيما ذكره من خيال العمل باصل البراءة و ان كان خيال وجوب الاحتياط اوجه بالاضافة الى خيال العمل باصل البراءة كيف لا و لا مجال للبناء على الخيالين المتناقضين ثانيها ان اتفاق الكلّ او باستثناء قليل لا ينافى حصول الاجماع على حجية المدارك الظنيّة و ليس هذا الّا من باب عدم وجوب الاحتياط و يرشد الى ذلك القول بوجوب التقليد لغير المجتهد اذ لو لا عدم وجوب الاحتياط لما جاز ترك تجويز التقليد للعامى ثالثها ان من تامّل فى كلمات الفقهاء و انس بطريقتهم ليعلم ان مقتضى مذاقهم و مشربهم عدم وجوب الاحتياط لو فرض عدم ثبوت اعتبار شيء من المدارك الظنّية قيل و صدق هذه الدّعوى يجده المنصف بعد ملاحظة قلّة المعلومات اقول ان الفرق بين التقريرات المذكورة بعد اشتراك الكل فى فرض عدم العلم بالواقع ان المدار فى الاولين على صورة متخيّلة باختلاف فى التّعبير بالتّعبير بالنّفى اعنى عدم الالتزام بالاحتياط فى موارد عدم العلم بالواقع فى الاوّل و التّعبير بالإثبات اعنى العمل بالظّن فى
الموارد المذكورة فى الثانى و بوجه آخر المدار فى الاول على دعوى الاجماع على عين المقصود اعنى عدم وجوب الاحتياط و المدار فى الثانى على دعوى الاجماع على ما يستلزم المقصود اعنى العمل بالمدارك النقلية حيث انّه يستلزم عدم وجوب الاحتياط و المدار فى الاخير على التّعبير بالنّفى اعنى عدم الالتزام بالاحتياط فى صورة فرضيّة اعنى صورة عدم ثبوت اعتبار شيء من المدارك الظنّية فالتقرير الاخير يخالف