رسالة في حجية الظن - الكلباسي، أبو المعالي - الصفحة ٤٧ - المقدمة العاشرة انه قد اختلف فى بقاء التكليف فى زمان انسداد باب العلم
فى الباب لاختلاف الموضوع اذ التكاليف انما كانت متوجّهة الى المشافهين و لا مجال لاستصحاب تكليف المشافهين فى حق المعدومين اذ المشافهة غير المعدوم بل مقتضى اصالة البراءة عدم ثبوت التكليف فى حق المعدومين بناء على شمول الاطلاقات لصورة انسداد باب العلم و المعدوم فى عرض الموجود و لا مجرى للاستصحاب و ان تاخّر زمان المعدوم نظير انه يعمل اصل البراءة فى باب الشكّ فى المكلف به و يقدم على الاستصحاب بواسطة كون اصل البراءة فى الزّمان الاوّل و كون الاستصحاب فى الزمان الثانى قلت او لا انه لو فرضنا تمادى زمان بعض المشافهين الى زمان الانسداد فلا ريب فى جريان الاستصحاب فى الباب فيطرد التكليف فى حق امثالنا من باب القطع بعدم الفرق و ثانيا ان الاحكام الوضعيّة لا يختصّ بالمشافهين اذ الكلام فى اختصاص الخطاب بالمشافهين انما هو فيما لو كان الخطاب بصيغة الخطاب النّحوى فلو شككنا فى ارتفاع النجاسة و بقائها مثلا بعد انسداد باب العلم فمقتضى الاستصحاب بقاء النجاسة إلّا ان يقال انه لا باس به فيما لو كان الشكّ فى قرب من زمان الانفتاح و اما لو طال الفصل بين زمان الانفتاح و زمان الانسداد كزماننا فشمول اخبار اليقين له محلّ الإشكال إلّا انّه مدفوع بانه يجرى الاستصحاب فيما بعد زمان الانفتاح الى زماننا هذا لا فى زماننا ابتداء حتى يتاتى الاشكال فى شمول اخبار اليقين لمثله كيف لا و تخلّل الفصل يمانع عن جريان الاستصحاب الّا ان يقال ان الظاهر من اخبار اليقين ما لو كان اليقين و الشكّ واقعين فى زمان الشخص و لا يشمل اخبار اليقين لمثل ما ذكر او يقال انّه يستلزم اجراء الاستصحاب فى حق الغير اذ اهل ازمنة الانسداد من بدوه الى يومنا هذا جمع كثير و اجراء الاستصحاب فيما بعد زمان الانفتاح الى يومنا هذا يستلزم اجرائه فى حق الجمع المشار اليهم و لا عبرة بالاستصحاب فى حق الغير فالاستصحاب على الوجه المذكور فاسد الابتداء فهو فاسد بالكليّة و لا مجال للتمسّك به فى حقنا إلّا ان يقال ان الاستصحاب فى حقّ الغير انما هو فى استصحاب الحكم المتشخص المتقوّم بالغير كما فى استصحاب طهارة لباس الغير مع عدم الحاجة اليه و منه استصحاب الطّهارة من كل من واجدى المنى فى ثوب واحد بالنّسبة الى الآخر مع عدم الحاجة اليه كما فى الاقتداء من احدهما بالآخر مع لبس الثوب المشار اليه و اما فيما نحن فيه فالمستصحب انما هو الحكم الكلّى المتقوّم بموضوع كلّى فلا يكون الاستصحاب فى المقام من باب الاستصحاب فى حق الغير و ثالثا انه لو تعلّق الوجوب بصلاة الجمعة مثلا مع دوران الامر بين كون الخطاب على وجه الاختصاص باهل الحضور او العموم بجميع الناس الى يوم القيمة فلا شك فى تحقق ارتباط للوجوب مع صلاة الجمعة و تعلق الوجوب بالصّلاة و القدر المتيقن و ان كان اختصاص الصّلاة باهل الحضور لكن نحن نجرى الاستصحاب فى وجوب الصّلاة الثابت على وجه الاجمال و المكلّف بصلاة الجمعة غير داخل فى موضوع الوجوب اعنى الصّلاة بل هو متعلّق به كيف لا و لو قيل هذا واجب او حرام يتم الكلام و يصحّ السّكوت عليه و ليس المستصحب الا الوجوب للموضوع المشار اليه و هو متّحد و لا ضير فى اختلاف ما يتعلّق بالموضوع كما انّه لا ضير فى اختلاف علّة الحكم كيف لا و قد بنى الخلاف فى حجيّة الاستصحاب على جواز اختلاف علّة الحدوث و البقاء و يرشد الى عدم اختلاف الموضوع فى المقام انّه لم يقدح احد فى باب استصحاب الحكم الثّابت فى بعض الشّرائع السابقة و لا فى استصحاب النبوّة المحكى عن بعض اهل الكتاب باختلاف الموضوع و بالجملة فنحن نجرى الاستصحاب فى باب الصّلاة و يلزمه ثبوت الوجوب فى حق امثالنا و ليس هذا من باب الاصل المثبت اذ ثبوت الحكم الشّرعى هنا بلا واسطة كما فى استصحاب الحكم الثّابت فى بعض الشّرائع السّابقة و رابعا انّه لو لم يجر الاستصحاب فى صلاة الجمعة فى الفرض المتقدّم فلا بدّ من كون انقطاع الوجوب مقطوعا به و هو ظاهر الفساد و خامسا ان الشّك فى اطّراد الحكم فى حق اهل الانسداد ليس من جهة الشك فى ممانعة الجهل عن شمول الاطلاق بل الشّك فى تخصيص الخطاب و تعميمه للمعدومين فليس الشّك فى جانب العرض بل انما هو فى جانب الطّول و لا مجال لتخصيص الحكم بزمان الانفتاح لجريان الاستصحاب فلا مجال [١] اصل البراءة فى حق امثالنا لتقدّم الاستصحاب على اصل البراءة فى نعم باب الشكّ فى المكلّف به يجرى اصل البراءة لكونه فى الزّمان الاوّل بخلاف ما نحن فيه لكونه فى الزّمان الثانى
و هو مورد الاستصحاب بخلاف الشكّ فى المكلّف فانه لما كان الشك فى الزّمان الاوّل فلا مجرى للاستصحاب فيه و مع هذا نقول انّه لو لم يكن التكاليف الواقعيّة متحصّلة فى الواقع على حسب المفسدة و المصلحة لما كان
[١] لاجراء