رسالة في حجية الظن - الكلباسي، أبو المعالي - الصفحة ٤٥ - المقدمة العاشرة انه قد اختلف فى بقاء التكليف فى زمان انسداد باب العلم
سلمنا ثبوت الاحكام فى كلّ واقعة بهذا المعنى لكن لا نسلم بيان الجميع للرّعية لعدم دليل عليه بل فى بعض الاخبار تصريح و تلويح بعدم بيان كثير منها و يشعر بذلك ما فى بعضها من كونها مخزونة عند اهله و حينئذ فلا معنى لكوننا مكلّفين بالجميع بل المسلم منه ما وصل الينا بطريق علمىّ او ظنّ معلوم الحجيّة فان البيان المسلم للجميع انما هو للمشافهين و مقتضاه ثبوت التكليف بالجميع لهم لا لنا و مشاركتنا لهم فيما لم يصل الينا باحد الطّريقين فى خير المنع سلمنا لكن مقتضاه كون كلّ واقعة بالنّسبة الينا متعلّقا لحكم من الاحكام و هذا غير مفيد لاثبات حجيّة الظنّ فانه غير مستلزم لثبوت التكليف بمعنى الالزام فى جميع الوقائع و قد يقال نقلا ان المراد ببقاء التكاليف الواقعيّة فى غير المعلومات ليس التكاليف الواقعيّة التى باب العلم بها مسدود حتى يلزم القبح او التكليف بما لا يطاق بل المراد التكاليف الظاهريّة الّتى تقوم مقامها عند تعذر العلم بها و قد يقال ايضا نقلا المراد التّكاليف الواقعيّة لكن المراد من بقائها وجوب الاتيان بها او بما يكون بدلا عنها حين تعذّر العلم بها فلا قبح و لا تكليف بما لا يطاق نعم لو كان المراد من بقائها وجوب الاتيان بها من حيث انها هى من غير ان يكون لها بدل لاتجه الاشكال و الظّاهر ان مرجع هذه المقالة الى بقاء التكاليف الظاهريّة اذ التّكليف الظّاهرى اعمّ مما كان موافقا للواقع و ما كان مخالفا له فالمرجع الى المقالة السّابقة الا ان التصرّف هنا فى البقاء و التصرّف فى المقالة السّابقة فى التكاليف و الذى يقوى فى النظر ان يقال ان المصالح و المفاسد الواقعيّة تقتضى تكاليف واقعيّة من الوجوب و الحرمة و ليس اظهارها من الشّارع المقدّس الّا من باب الكشف عن الواقع بناء على كون الحسن و القبح عقليّين و لا يختلف و لا يتخلّف آثارها الدّنيوية لكن ترتب العقاب عليها منوط و مشروط بالعلم و الجاهل معذور و لكن بعد الفحص فعلى المجتهد الفحص عن الوجوب و الحرمة المنوطين بالمصلحة و المفسدة الواقعيتين و على المقلد التقليد و ربما يقال ان الابتلاء بالمفاسد النفس الأمريّة و الحرمان عن المصالح الواقعيّة ان كان من غير تقصير يجب على اللّه سبحانه ان يعالج بترياق المغفرة و دواء المرحمة لوجوب اللّطف على اللّه سبحانه و يضعف بما حرّرناه فى البشارات فى بحث الاجماع من وجوه نقضا على دعوى وجوب اللطف بمعنى ما يقرب الى الطّاعة و يبعد عن المعصية و الظّاهر ان اللطف بمعنى التفضّل المناسب للمقام لا يقول احد بوجوبه نعم لو فعل المجتهد او مقلده فعلا بعنوان الوجوب و حسبانه و كان غير واجب فيمكن القول بوجوب الاجر عليه و لو فى الجملة من باب العدل مضافا الى الاجر على الانقياد بناء على تعدّد الاجرين فى الواجبات الاجر على الفعل على حسب ما يقتضيه المصلحة المكنونة فى سرّ الفعل الداعية الى وجوبه و الاجر على الانقياد و اما بناء على القول بانحصار الاجر فى الانقياد فلا مجال للاجر على الفعل فى المقام و يمكن ان يقال ان العدل انّما يقتضى وجوب ايصال ما يقتضيه الفعل من الاجر و عدم الاخلال به على تقدير المطابقة للواقع و المفروض المخالفة للواقع لفرض عدم الوجوب واقعا و العدل لا يقتضى مراعاة العبد باللطف فى الخطاء و انظر انه لا يلتزم احد من الموالى مراعاة خطاء العبد فى فعله بالانعام و لو كان المولى فى اقصى اعتدال الحال نعم اللطف و الانعام اولى و احسن لكن الاولويّة غير الوجوب و الكلام فى الوجوب و بالجملة فالتكاليف الواقعيّة باقية لكن التكاليف الظّاهرية غير باقية فربما كانت بحيث حصل العلم بها للمشافهين فوجب عليهم امتثالها لكن من لم يتحصّل له العلم بها من اهل الحضور او الغيبة معذور قال المحقّق القمّى فى مقام بيان حجية الظّنون اللفظية للمشافهين بعد التمسّك بطريقة العرف و العادة فالشّارع اكتفى فى المحاورات مع اصحابه بما حصل لهم الظنّ فى التكاليف و السرّ فى ذلك مع ان المحقّق عند اصحابنا هو التخطئة و ان حكم اللّه الواقعى واحد فى نفس الامر انّ عمدة العمل فى التديّن و الايمان باللّه هو اصل التّوحيد و خلع الانداد و الاضداد و التّسليم و الانقياد و توطين النفس على تحمل المشاق الواردة من قبله تعالى فالاحكام الفرعيّة و ان كانت من الامور الحقيقيّة المتاصّلة النّاشية عن المصالح النّفس الأمريّة لكن العمدة فى تاسيسها هو الابتلاء و الامتحان و تقوية الايمان بسبب الامتثال بها من جهة انها طاعة فاذا فهم المكلّف من خطاب الشّارع فهما علميّا بنفس الحكم و امتثل به
فهو جامع للسّعادتين اعنى الفوز بالمصلحة الخاصّة الكائنة فيه و الفوز بالمصلحة العامة التى هى نفس الانقياد و الإطاعة و اذا فهم فهما ظنيّا على مقتضى محاورة لسان القوم الّذى انزل اليه الكتاب و بعث الرّسول عليه فهو و ان فقد المصلحة الخاصّة لكنه ادرك المصلحة العامّة بل عوض عن المصلحة الخاصّة لئلّا يخلو عمله عن الاجر وفاقا للعدل لحصول الانقياد بدونه ايضا