دروس في مسائل علم الأصول - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٣٤ - الإشكالات على الواجب المعلّق
هذا مع أنّه لا يكاد يتعلّق البعث إلّا بأمر متأخر عن زمان البعث، ضرورة أن البعث إنما يكون لإحداث الداعي للمكلّف إلى المكلف به، بأن يتصوره بما يترتب الشوق إلى مرتبة الإرادة، فإرادة المولى تتعلّق ببعثه، و هذا البعث لا يترتّب عليه انبعاث العبد إلى الفعل بنحو القهر و الغلبة، فإنّه خلاف الفرض، بل لا بدّ من أن يكون بنحو يترتّب عليه إمكان انبعاثه.
و بتعبير آخر ما تعلّق به شوق المولى و ميله هو الفعل الاختياري للعبد، و لو كان بعث المولى إلى فعله بنحو القهر و الإجبار لكان ذلك بعث إلى غير ما اشتاق إليه، فلا بدّ من أن يكون بعثه على نحو يترتّب عليه إمكان انبعاث العبد فيما لو كان منقادا، و المفروض في الواجب المعلّق عدم ترتّب الانبعاث عند تحقّق البعث مع فرض انقياد العبد، فلا يكون بعث المولى بعثا حقيقة و لو إمكانا [١].
أقول قد تقدّم سابقا و كرارا أنّ إرادة المولى لا تتعلّق بالبعث الخارجي الحقيقي، فإنّ البعث الخارجي الحقيقي قهر على الغير لا ينفكّ عن الانبعاث الخارجي و لا يتحقّق بدونه، كما لا يتحقّق الكسر بلا انكسار، و إنمّا تتعلّق إرادته بالبعث الخارجي الاعتباري، و إذا كان البعث اعتباريا فيمكن أن ينشأ البعث معلقا على أمر استقبالي بنحو الشرط المقارن أو غيره نظير الوصية التمليكية و يمكن أن ينشأ البعث مطلقا و يقيّد المبعوث إليه بأمر استقبالي، فإنّ الاعتبار غير التكوين، غاية الأمر فاللازم في موارد إطلاق البعث هو أن يكون لإطلاقه أثر حتّى لا يلحق إطلاقه بأنياب الأغوال و لئلّا يكون الاعتبار فيه لغوا و مجرّد فرض و خيال، و المفروض في موارد إطلاقه و استقبالية متعلّق البعث و الطلب حصول الأثر، و لو كان الأثر تهيّؤ
[١] نهاية الدراية: ٢/ ٧٣.