المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٣٨٧ - مساوئ من سخط عليه و حبس
عمر بن فرج، فأتى جعفر إلى محمّد بن عبد الملك الزيّات مستغيثا به ليكلّم أخاه، فدخل عليه فمكث مليّا واقفا بين يديه لا يكلّمه ثمّ أشار إليه أن يقعد، فقعد، فلمّا فرغ من نظره في الكتب التفت إليه شبيها بالمتهدّد له فقال: ما جاء بك؟قال: جئت لتسأل أمير المؤمنين الرضى عني.
فقال لمن حوله: انظروا إلى هذا يغضب أخاه ثمّ يسألني أن أسترضيه!اذهب فإنّك إذا صلحت رضي عنك. فقام جعفر كئيبا حزينا لما لقيه به من قبح اللقاء، فخرج من عنده.
و كتب محمّد بن عبد الملك إلى الواثق حين خرج جعفر من عنده: يا أمير المؤمنين أتاني جعفر بن المعتصم يسأل أن أسأل أمير المؤمنين الرضى عنه في زيّ المخنّثين له شعر.
فكتب إليه الواثق: ابعث إليه فأحضره و مر من يحزّ شعره و يضرب به وجهه.
فحدّث عن المتوكّل قال: لمّا أتاني رسوله لبست سوادا لي جديدا و أتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضى عني، فلمّا دخلت عليه قال: يا غلام عليّ بحجّام. فدعي، فقال: خذ شعر هذا، فأخذه على السواد الجديد و لم يأتني بمنديل، فأخذ عليه شعري و ضرب به وجهي. فما دخلني شيء من الجزع مثل ما دخلني في ذلك اليوم. قال: فلمّا ولي جعفر الخلافة بعث إلى محمّد بن عبد الملك فدعاه. فركب حتى أتى دار إيتاخ فأخذ سيفه و قلنسوته و درّاعته فدفع إلى غلمانه و انصرفوا و هم لا يشكّون أنّه مقيم عند إيتاخ. ثمّ سوهر و منع النوم و سئل عن شيء يعذّب به فدلّ على تنّور من خشب فيه مسامير قيام. فحدّثت عن أحمد بن أبي دؤاد أنّه قال:
هو أوّل من أمر بعمل التنّور فابتلي به لصحّة المثل: كما تدين تدان، و إن شئت: من ير يوما ير به، و إن شئت: من حفر حفرة هوى فيها، فعذّب في التنّور.
فحدّث الموكّل بعذابه فقال: كنت أخرج و أقفل عليه الباب فيمدّ يديه إلى السماء جميعا حتى يدقّ موضع كتفيه ثمّ يدخل التنّور و يجلس و في التنّور مسامير حديد و في وسطه خشبة معترضة يجلس المعذّب عليها إذا أراد أن يستريح. قال المعذّب له: فخاتلته يوما و أريته أني قد أقفلت عليه ثمّ مكثت قليلا و دفعت الباب فإذا هو قاعد، فقلت: أراك تعمل هذا!فكنت إذا خرجت شددت خناقه، فما مكث بعد ذلك إلاّ أيّاما حتى مات. فوجد على حائط البيت الذي كان فيه من قبل التنّور:
لعب البلى بمعالمي و رسومي # و دفنت حيّا تحت ردم غموم
و شكوت غمّي حين ضقت و من شكا # كربا يضيق به فغير ملوم
لزم البلى جسمي و أوهن قوّتي # إنّ البلى لموكّل بلزوم
أ بنيّتي قلّي بكاءك و اصبري # فإذا سمعت بهالك مغموم
فانعي أباك إلى نسائه و اقعدي # في مأتم يبكي العيون و قومي