المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٤٤ - محاسن السخاء
فلا تلتمس رزقا بعيش مقتّر # لكلّ غد رزق يعود جديد
أ لم تر أنّ الرّزق غاد و رائح # و أنّ الّذي يعطيك غير بعيد
قيل: و لما مات حاتم خرج رجل من بني أسد يعرف بالخيبري في نفر من قومه و ذلك قبل أن يعلم كثير من العرب بموته فأناخوا بقبره، فقال: و اللّه لأحلفن للعرب أني نزلت بحاتم و سألته القرى فلم يفعل و جعل يضري برجله قبره و هو يقول:
أعجل أبا سفّانة قراكا # فسوف أنبي سائلي ثناكا
فقال بعضهم: ما تنادي رمة!و باتوا مكانهم، فقام صاحب القول من نومه فزعا فقال: يا قوم عليكم مطاياكم فإن حاتما أنشدني:
أبا الخيبريّ و أنت امرؤ # ظلوم العشيرة شتّامها
أتيت بصحبك تبغي القرى # لدى حفرة صخب هامها
تبغّي لي الذّمّ عند المبيت # و حولك غوث و أنعامها
فإنّا سنشبع أضيافنا # و نأتي المطيّ فنعتامها
قيل: و نزل على حاتم ضيف و لم يحضره قرى فنحر ناقة الضيف و عشاه و غداه ثم قال له: إنك أقرضتني ناقتك فغديتك بها فاحتكم علي، قال: راحلتين، قال: لك عشرون أرضيت؟قال: نعم و فوق الرضى، قال: فلك أربعون، ثم قال لمن بحضرته من قومه: من أتانا بناقة فله ناقتان بعد الغارة، فأتوه بأربعين فدفعها إلى ضيفه.
و حكوا عن حاتم أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة، فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الإسار، قال: ويلك و اللّه ما أنا في بلادي و ما معي شيء و قد أسأت أن نوهت بي!فذهب إلى العنزيين فساومهم به و اشتراه منهم و قال: خلوا عنه و أنا أقيم مكانه في قيده حتى أؤدي فداه، ففعلوا، فأتاهم بفدائه.
و قيل في المثل: و هو أجود من كعب بن مامة، و كان إياد، و بلغ من جوده أنه خرج في ركب و فيهم رجل من أهل النمر بن قاسط في شهر ناجر، و النجر العطش، فضلوا و تصافنوا ماءهم فجعل النمري يشرب نصيبه فإذا أصاب كعبا نصيبه قال: أعط أخاك يصطبح، فيؤثره على نفسه، حتى أضر به العطش، فلما رأى ذلك استحث راحلته و بادر حتى رفعت له أعلام الماء و قيل له: رد كعب فإنك وارد، فغلبه العطش فمات و نجا رفيقه. و قيل في المثل:
هو أسمح من لافظة، و هي العنز تستدعى للحلب فتجيء إليه و هى تلفظ بجرتها فرحا بالحلب، و قال الشاعر:
يداك يد خيرها يرتجى # و أخرى لأعدائها غائظه