المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٨٧ - محاسن الوفاء
المزدلف و قالوا: إن هذه الجيوش قد أحدقت بنا من كل ناحية فما ترى؟قال: أرى أن تجعلوا حصونكم سيوفكم و رماحكم و توطنوا انفسكم على الموت. فقالوا: نعم و اللّه لنفعلن!ثم إن قيس بن مسعود أقبل في سواد الليل من عسكر إياس حتى أتى هانئ بن مسعود فقال: يا ابن عم إنه قد حل بكم من الأمر ما قد ترون ففرق خيل النعمان و سلاحه في أشداء قومك ليقووا بذلك على القتال فهي مأخوذة لا محالة إن قتلوا و إن سلموا أمرتهم فردوها عليك، و عليك بالجد و الصبر، و إياك ثم إياك أن تخفر ذمتك في تركة النعمان حتى تقتل و يقتل معك جميع قومك! قال له هانئ: أوصيت يا ابن عم محافظا فوصلتك رحم و أرجو أ لا ترى منا تقصيرا و لا فتورا، فانصرف قيس ذو الجدين من عند هانئ كئيبا حزينا باكيا خائفا من هلاك قومه حتى أتى عسكر إياس و كان يريه أنه مجامع له على حرب قومه خوفا أن يجد عليه كسرى فيقتله، فلما أصبح هانئ بن مسعود دعا بخيل النعمان و سلاحه ففرقه في أبطال قومه و أشدائهم، فركبوا تلك الخيول، و كانت ستمائة فرس و ستمائة درع، و استلأموا تلك الدروع، و كان ذلك في العام الذي هاجر فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، إلى المدينة، و اتفقت بكر بن وائل أن تجعل شعارها باسم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، محمد يا منصور، و ذلك قبل أن يسلموا، و بذلك الاسم نصروا و قهروا عدوهم، و عمد رجل من أشراف بني عجل يقال له حنظلة بن سيار إلى حزم رحالات النساء فقطعها كلها، أراد بذلك أن يمنع قومه من الهرب إن وقعت الهزيمة، فسمي بذلك مقطع الوضين. و إن إياس بن قبيصة أرسل إلى بكر بن وائل يخيرهم خصلة من ثلاث: إما أن يسلموا تركة النعمان، و إما أن يسيروا ليلا في البراري فيعتل على كسرى أنهم هربوا، فإن أبوا هاتين الخلتين خرجوا إلى الحرب. فتوامروا بينهم فقالوا: إما أن نسلم خفارتنا فلا يكون ذلك و إن نحن لحقنا بالفلاة أفضينا إلى بلاد تميم فيقطعون علينا و يأخذون ما معنا و يأسروننا و ليس لنا حيلة إلا القتال، فاختاروا القتال و وجهوا خمسمائة فارس من أبطالهم عليهم زيد بن حارثة اليشكري و أمروهم أن يكمنوا للعجم، ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض و تقدم الهامرز فوقف بين الصفين و نادى بالفارسية: مردى آمردى. فقال يزيد بن حارثة: ما يقول؟قال:
يدعوا إلى البراز رجلا لرجل.
فقال: و أبيكم لقد أنصف!ثم خرج إليه فاختلف بينهما ضربتان فضربه يزيد ضربة بالسيف على منكبه فقدّ درعه حتى أفضى السيف إلى منكبه فأبانه فخر ميتا الهامرز أول قتيل بين الصفين، و ألقى اللّه عز و جل الرعب في قلوب العجم فولوا منهزمين، و لحق حنظلة بن سيار العجلي بهرمز جرابزين قائد العجم فطعنه طعنة خر منها ميتا، و دفع هانئ بن مسعود فرسه في طلب إياس بن قبيصة حتى لحقه و معه قيس بن مسعود ذو الجدين، فأراد هانئ قتل إياس فمنعه قيس و حال بينه و بين قتله، و اتبع العجم خمس مائة فارس من بني شيبان لا يلوون