المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٤٠٥ - مساوئ عقوق البنين
ضيعة ما ملك مثلها أحد بسطوح الدّسكرة و لو لا أنّ سعيدا السعديّ، أراح اللّه منه، قطع شربها و عوّر مجاري مياهها حتى اندفنت أنهارها و قلّت عمارتها إضرارا بنا و تعدّيا علينا ما كان لأحد مثلها و على أن أكرتها و مزارعيها من أخابث خلق اللّه، و اللّه و اللّه لو أمكنهم أن يقطعوا الحاصل و حاصل الحاصل ما أعطونا من ذلك شيئا، و من أخبرك أنّ الضيعة لربّ الضيعة فقل له كذبت لا أمّ لك، الضيعة ثلاثة أثلاث: فثلث للسلطان و ثلث للوكيل و ثلث للأكّار، و إنّما يأتي ربّ الضيعة صبابة كصبابة الإناء و مخّة كمخّة عرقوب، يجني الأكّار وقت الدياس فيمرّ بهم الأبرمذ هذا يذبح له و هذا يخبز له و هذا يسقيه النبيذ، و ما نبيذهم إلاّ العكر الأسود و وضر الدنس و ماء الأكشوث، قبح اللّه ذلك شربا ما أنغله للجوف و أضرّه بالأعلاق النفيسة، ثمّ يأتي وقت الكيل فمن بين رقّام، رقم اللّه جلبابه و أعدّ له الهوان، و من بين كيّال، جعل اللّه له الويل لقوله جلّ و عزّ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١]، ما يبالي أحد منهم على ما يقدم، لقد سمعت أمير المؤمنين يسأل قضاته و كلّهم بالحضرة: هل عدّلتم كيّالا قطّ؟فكلّهم يقول: لا، فإن أطعموا الجداء الرّضّع و نقيّ الخبز من دستميسان [١] و وهبت لهم الدراهم ظفر الأكبار بحاجته، فويل يومئذ لقبّة السلطان ما ذا يحمل إليها من القشب [٢] و القصل [٣] و المدر و الزوان [٤] و يحشى فيها التبن.
ثمّ قال: يا قوم لم أطنبت في ذكر هؤلاء و ما الذي هاج هذا في هذه الساعة حتى خضت فيه؟أ ما كفاني أني قائم على رجلي على أحد جناحيّ؟قالوا: هذا للسكّر الذي ليس في خزانتك منه شيء. قال: أجل و اللّه إذا كان وكيلي مشتغلا بزوجته و بناته و مصالح حالهنّ متى يفرغ للنظر في مصالح خزانتي؟و اللّه و اللّه لقد حدّثت أنّه حلى بناته بألوف دنانير و قال لزوجته اخرجي إلى الأعياد و ادخلي الأعراس و سلي عن الرجال المذكورين و اطلبي المراضع المعروفة و الأنساب المرضيّة لبناتك و أخرجيهنّ في الجمعات يتصفّحن محاسن الغرّات و يخترن أولي الأنساب، أ و لم يرو عن الثّقات أنّهم كرهوا خروج الأبكار في الجمعات التي فرض اللّه جلّ و عزّ فيهنّ السعي إلى ذكره؟فنبع قوم من هؤلاء المبتدعة خارجة خرجت و مارقة مرقت و رافضة رفضت الدين و أهل الدين فتركوا ما فرض اللّه جلّ و عزّ عليهم: قََاتَلَهُمُ اَللََّهُ أَنََّى يُؤْفَكُونَ `اِتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَ رُهْبََانَهُمْ أَرْبََاباً مِنْ دُونِ اَللََّهِ [التوبة: ٣٠-٣١]، و قد روينا عن
[١] قرية جليلة بين واسط و البصرة و الأهواز و هي إلى الأهواز أقرب.
[٢] القشب: اليابس الصلب.
[٣] القصل: القطع و المراد به هنا ما قطع من الزرع الأخضر.
[٤] الزوان: يكون في القمح ثم يرمى عند ما ينقى القمح.