المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٣٧٢ - محاسن العفو
منصور قلت: يا أبا عليّ إني و اللّه ما رجعت معك إلاّ لنصحك و قد رأيت مكان هذا الرجل منك و كنّا حين حملت المال أنهضته معي فو اللّه ما قطع نصف الصحن من الدار حتى تمثّل بهذا البيت:
فما بقيا عليّ تركتماني # و لكن خفتما صرد النّبال
فعارض أكرم فعلك بألأم خصلة فيه فدعاني الامتعاض من ذلك إلى إخبارك، فإني من تعلم في مودّتك و طاعتك. فأكبّ على الأرض ساعة ثمّ رفع رأسه فقال: اعذره فقد كان عقله عزب عنه في ذلك الوقت. قال: فكان عذره له أحسن من إحيائه إيّاه.
قيل: و أمر الرشيد يحيى بن خالد بحبس رجل جنى جناية. فحبسه يحيى و سأله عنه الرشيد فقيل: هو كثير الصلاة و الدعاء. فقال للموكّل به: اعرض عليه أن يكلّمني و يسألني إطلاقه. فقال له ذلك الموكّل به فقال: قل لأمير المؤمنين إنّ كلّ يوم يمضي من نعمتك ينقص من محنتي و الأمر قريب و الموعد الصراط و الحكم اللّه. فخرّ الرشيد ساجدا مغشيّا عليه و أمر بإطلاقه.
قيل: و أتي الرشيد برجل قد وجب عليه الحدّ فأمر أن يضرب فضرب. فقال: يا أمير المؤمنين قتلتني!قال: الحق قتلك. قال: ارحمني!قال: لست بأرحم لك ممّن أوجب عليك الحدّ. ثمّ أمر بإطلاقه.
قال: و قال الرشيد للجهجاه: أ زنديق أنت؟فقال: كيف أنا زنديق و قد قرأت القرآن و فرضت الفرائض و فرقت بين الحجة و الشبهة؟قال: و اللّه لأضربنّك حتى تقرّ!قال: هذا خلاف ما أمر اللّه جلّ و عزّ به، أمر أن يضرب الناس حتى يقرّوا بالإيمان و أنت تضربني حتى أقرّ بالكفر!فالتفت الجهجاه إلى أبي يوسف القاضي فقال له: أفته لا يهلك فيّ دينه.
قال: و بلغ الرشيد أن عبد الملك بن صالح دعا إلى نفسه فأمر بحبسه ثمّ دعاه ذات يوم فقال: أ كفرا للنعمة و إظهارا للغدر؟قال: كلا يا أمير المؤمنين و لكنه مقالة كاشح و احتيال حاسد. قال: هذا قمامة كاتبك يذكر صحة ذلك. قال: أسمعنيه يا أمير المؤمنين!قال: اخرج يا قمامة. و كان من وراء الستر. فخرج فقال له: لقد انطويت عليه و واطيت من خالفه قال: يا أمير المؤمنين كيف لا يكذب عليّ من خلفي من يبهتني في وجهي مع نعمتي عليه و إحساني إليه؟قال: فهذا عبد الرحمن ابنك!فقال: هو بين مأمور و عاقّ، فإن كان مأمورا فلا ذنب له، و إن كان عاقّا فأقلّ عقوبته الشهادة بالزّور عليّ. قال: فما الحكم؟قال: أولى الناس بصفحك عنه من لا شفيع له إليك إلاّ حلمك. فقال الرشيد:
أريد حياته و يريد قتلي # عذيرك من خليلك من مراد