المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٠٥ - محاسن الدهاء و الحيل
فمضى، و قال إياس للمطلوب منه: اجلس حتى يرجع صاحبك، فجلس و إياس يقضي و ينظر إليه بين كل ساعة ثم قال: ترى صاحبك بلغ موضع الشجرة؟قال: لا، فقال: يا عدو اللّه أنت الخائن!قال: أقلني أقالك اللّه!فأمر بحفظه حتى جاء خصمه فقال له: خذه بحقك فقد أقر.
قال: و استودع رجل رجلا كيسا فيه دنانير فغاب و طالت غيبته فشق المستودع الكيس من أسفله و أخذ الدنانير و جعل مكانها دراهم و خيطه و الخاتم على حاله، فجاء الرجل بعد ست عشرة سنة فقال: مالي. و طالب به، فأعطاه الكيس بخاتمه، فنظر إليه و إذا ماله دراهم، فأحضره مجلس إياس، فقال إياس للطالب: ما ذا تقول؟قال: أعطيته كيسا فيه دنانير، فقال:
مذ كم؟قال: منذ ست عشرة سنة، قال: فضا الخاتم، ففضاه، فقال: انثرا ما فيه، فنثراه، فإذا هي دراهم بعضها من ضرب عشر سنين و أكثر و أقل، فأقر بالدنانير و ألزمه إياها حتى خرج منها.
قال: و أودع رجل رجلا من أمناء إياس مالا و حج، فما رجع طالبه فجحده، فأتى إياسا فأخبره، فقال: أتعلم أنك أخبرت غيري بذلك؟قال: لا، قال: فهل علم أنك أعلمتني؟قال:
لا، قال: أ فنازعته بحضرة أحد؟قال: لا، قال: فانصرف و اكتم أمرك ثم عد إلي، و دعا إياس أمينه ذلك فقال: قد حضر مال كثير و قد رأيت أن أودعك إياه و أصيره عندك فارتد له موضعا و ائتني بمن يحمله معك. فمضى الأمين، و عاد الرجل إلى إياس فقال له: انطلق إلى صاحبك فطالبه بمالك فإن أعطاك و إلا فقل إنك تعلمني، فأتاه فقال له: أعطني مالي و إلا أتيت القاضي فأعلمته، فدفع إليه ماله، و صار إلى إياس فقال: قد رد مالي عليّ، و جاء الأمين إلى إياس لموعده فانتهره و قال: اخرج عني يا خائن.
قال: و أراد معاوية أن يوجه ابنه يزيد إلى غزو الصائفة و كره يزيد ذلك و أنشأ يقول:
تجنّى لا تزال تعدّ ذنبا # لتقطع وصل حبلك عن حبالي
فيوشك أن يريحك من أذاتي # نزولي في المهالك و ارتحالي
و خرج و خرج الناس معه، و فيمن خرج أبو أيوب الأنصاري، فلما قرب من قسطنطينية اشتكى أبو أيوب فأتاه يزيد عائدا، فقال له: ما حاجتك؟قال: أما دنياكم فلا حاجة لي فيها و لكن سمعت رسول للّه صلى اللّه عليه و سلم، يقول: «يدفن بجنب قسطنطينية رجل صالح» و قد رجوت أن أكونه فقدمني ما قدرت عليه، فمات فلما فرغ من جهازه و وضع على سريره قدم الكتائب بين يديه، فنظر قيصر و رأى أمرا عجيبا و شيئا يحمل و الناس بالسلاح تحته، فأرسل إليه: ما هذا الذي نرى؟قال يزيد: هذا صاحب نبينا صلى اللّه عليه و سلم، أوصى أن ندفنه إلى جنب مدينتكم و نحن ننفذ وصيته أو نموت دونه، فأرسل إليه: العجب من الناس!و ما يذكرونه من دهاء أبيك و هو يبعثك