المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٠٣ - محاسن الدهاء و الحيل
و عنه [١] قال: كان سراقة البارقي من ظرفاء أهل المدينة فأسره رجل من أصحاب المختار فأتى به المختار و قال: أسرت هذا، فقال: كذبت و اللّه ما أسرني هذا إنما أسرني رجل عليه ثياب بيض على فرس أبلق!فقال المختار: أما إنّ الرجل قد عاين، يعني الملائكة، خلوا سبيله، فلما أفلت أنشأ يقول:
ألا أبلغ أبا إسحاق عنّي # رأيت الدّهم بلقا مصمتات
أري عينيّ ما لم تبصراه # كلانا ملع بالتّرهات
كفرت بدينكم و جعلت نذرا # عليّ قتالكم حتّى الممات
و عنه قال: خرج الأخوص بن جعفر المخزومي يتغذى في دير اللّجّ و ذلك في يوم شديد البرد و معه حمزة بن بيض و سراقة البارقي، فلما كانا على ظهر الكوفة و عليه الوبر و الخز و عليهما أطمار قال حمزة لسراقة: أين يذهب بنا هذا في هذا البرد و نحن في أطمارنا؟قال سراقة: أنا أكفيكه. فبينا هو يسير إذ لقيم راكب مقبل فحرك سراقة دابته نحوه و واقفه ساعة و لحق بالأخوص، فقال: ما خبّرك به الراكب؟قال: زعم أن خوارج خرجت بالقطقطانة [٢] ، قال: بعيد. قال: إن الخوارج [٣] تسير في الليلة ثلاثين فرسخا و أكثر، و كان الأخوص أحد الجبناء فثنى رأس دابته و قال: ردوا طعامنا نتغذى في المنزل، فلما حاذى منزله قال لأصحابه:
ادخلوا، و مضى إلى خالد بن عبد اللّه القسري فقال: قد خرجت خارجة بالقطقطانة، فنادى خالد في العسكر فجمعهم و وجه خيلا تركض نحو دير اللج لتعرف الخبر، فانصرفوا و أعلموه أنه لا أصل للخبر، فقال للأخوص: من أعلمك هذا؟قال: سراقة، قال: و أين هو؟قال: في منزلي، فأرسل إليه من أتاه به فقال: أنت أخبرته عن الخارجة؟قال: ما فعلت أصلح اللّه الأمير، قال له الأخوص: أو تكذبني بين يدي الأمير؟قال: خالد: ويحك أصدقني!قال: نعم أخرجنا في هذا البرد و قد ظاهر الخز و الوبر و نحن في أطمارنا هذه فأحببت أن أرده، فقال له خالد: ويحك و هذا مما يتلاعب به؟و كان سراقة ظريفا شاعرا و هو الذي يقول:
قالوا سراقة عنّين فقلت لهم: # اللّه يعلم أنّي غير عنّين
فإن ظننتم بي الشّيء الذي زعموا # فقرّبوني من بنت ابن يامين
و ذكروا أن شبيب بن يزيد الخارجي مر بغلام مستنقع في ماء الفرات فقال له: يا غلام
[١] و عنه أي عن الهيثم بن الحسن.
[٢] القطقطانة موضع قرب الكوفة.
[٣] الخوارج من الفرق الإسلامية خرجت على الإمام علي في معركة صفين سنة ٣٧ هجرية و كفرته لأنه حكم الرجال و هي من الفرق الضالة و قد أبيدت و لم يبق لها أثر.