المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٣ - التجربة وضمان الاطراد
المتبادل، أو من جانب واحد، يكتشف الإنسان السبب، وحين يعرف حقيقة الظاهرة، والسبب الوحيد الذي يوجدها ويخلقها خلقا، يصل العلم إلى نهايته، حيث يعرف العلة. والى ان يصل العلم إلى هذا المستوى، بالجهد البشري لا بد أن يقطع ألوف الأميال.
هذا، ولكن البشر مغرور لا يعترف بسهولة أنه جاهل بشيء، لذلك يقفز مرة واحدة، على السلم ليصل إلى مستوى العلم بالعلل.
ولكنه بعد تجارب مريرة، يكتشف خطأه، فيهبط إلى مستوى السبب، ثم قد يصطدم بحقائق لم يكن يتخيلها، فيهبط إلى مستوى القول بالقانون، أو حتى بمجرد التتابع، ولو لم يكن الإنسان مغرورا، كان يصعد السلم من درجته الأولى، فيلاحظ التتابع، ويلاحظ ان بعض الظواهر المتتابعة ذات تأثير متبادل، أو ذات تأثير من جانب واحد، فيؤمن بالقانون والعلاقة الضرورية، وبعدئذ يلاحظ أن للقانون سببا، بمعنى أن هناك علة من تأثير هذه الظاهرة في تلك، وليس العكس، فكان يقول بالسبب، حتى يصل في أعلى السلم إلى جميع العوامل المؤثرة في إيجاد شيء فينتهي بالعلة، بينما ابتدأ الإنسان القديم بالعلة لغروره.
إن الإنسان القديم- كالإنسان البدائي اليوم- كان يزعم انه يعرف الحقائق كلها، وكان يجلس في كوخه، أو في كهفه، وربما يستخدم مادة مخدرة، فإذا دار رأسه، أخذ يفلسف لنفسه، ويعدد علل الأشياء (الحقيقية) (فهؤلاء يعتقدون أن هناك قوى خفية تنتج الظواهر، وتحدثها، وهم يرون أن العالم، الذي يقع تحت حواسهم، يرتبط ارتباطا شديدا بعالم القوى الغيبية، وأن هذه القوى تؤثر في الظواهر الطبيعية تأثيرا مستمرا. فالعقلية البدائية لا تكفي بما توقفها عليه التجارب والملاحظات المألوفة، بل تتجاوز نطاق الواقع دائما، وتتخيل علاقات بين النتائج، التي تقع تحت الحواس، وبين أحد الأسباب الخفية).