المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٧ - البحث بلا هدف
معدن، أو ما أشبه من أدوات البحث والتجربة، وبينما يقوم ليحضر هذه الأدوات، تنقطع سلسلة بحثه، ويتشتت تفكيره، وبدون تحديد مسبق لهدف البحث الجزئي، كيف يمكن تهيئة الوسائل المناسبة له.
ومرة أخرى نكرر الحكمة القديمة (حسن السؤال نصف الجواب) فإذا كنت بارعا في توجيه السؤال إلى الحياة، فلن تعدم منها الجواب الصحيح. بينما السؤال غير المحدد يضع الحياة في حيرة، ويضع التفكير في فوضى شاملة. فإذا سألنا، مثلا، الحياة مسألة بسيطة هي: ما لون النصب التذكاري الذي نجده أمامنا في الساحة؟ فسوف لا يكون الجواب سليما، لأنه لو قيل لنا: إن هذا النصب أحمر، فقد يكون جانب من النصب أخضر والعكس بالعكس، وقد يكون هناك اختلاف في لون النصب من الليل إلى النهار، ومن اليوم هذا إلى غد وثم ان لفظة (النصب التذكاري) غير محددة، فهل المراد منه الجانب العلوي، أو تشتمل حتى القاعدة التي استوى النصب عليها؟ وهكذا لا يكون الجواب صحيحا مطلقا، لأن السؤال لم يكن علميا محددا. أما السؤال العلمي فيحدد أولا: المقصود من لفظة النصب التذكاري ثم يحدد الظروف التي تتصل بهذا النصب، والتي تؤثر بشكل أو بآخر في لونه، وتحدد أيضا المعنى المقصود من اللون، حتى يكون الجواب سليما، وبالطبع، هذا مثل مبسط جدا. إذ إن المشاكل العلمية، ليست من نوع السؤال، (عن لون نصب تذكاري)، إنما هي معقدة ومتشابكة. وتحديد السؤال فيها، يحتاج إلى وقت كبير، وجهد كبير أيضا. ولكي نفهم طبيعة هذا الوقت والجهد، ونفهم بالتالي، كيف نتحصن ضد الأخطاء المنهجية، الآتية من عدم تحديد المشكلة بالضبط، قبل البحث لكي نفهم هذا وذاك لا بد أن ندرس جانبا من المنطق الذرائعي (برجماتزم) [١] ... ليس لأن نظرياته المنطقية صائبة كليا بل لأنها أفضل
[١] - نعتمد هنا على كتاب جون ديوي المسمى ب- (المنطق نظرية البحث) ترجمة الدكتور زكي نجيب محمود. طباعة دار المعارف بمصر.