المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٠ - تحوير المناهج لصالح النظرية
وقال أحد الباحثين: لقد اتبعت طيلة سنوات عديدة قاعدة ذهبية، وهي أنني كنت أدون كل واقعة تنشر وكل ملاحظة جديدة وكل فكرة مضادة لرأيي، وكنت أدونها في الحال ودون إهمال لأنني علمت بالتجربة أن مثل هذه الوقائع والأفكار أقل بقاءا في الذاكرة من الوقائع والأفكار التي تشهد لي بصدق فرضي [١]. وليس من الصحيح ان يفكر الباحث في قيمة الجهود التي بذلها في تكوين رأيه العلمي، إنما عليه ان يعشق الحقيقة (دون أن يعشق ذاته)، وينبغي أن يتخلى عن رأيه مهما كان الوقت الذي صرفه على تكوينه طويلا. حيث إن المهم ما يشاهده الباحث وعليه الا يصبح مخزنا للحقائق، بل عليه ان يبحث عن الحقائق التي تحكم الواقع وهكذا يكون اختيار نتيجة معينة قبل البحث، عاملا قويا لتحوير المنهج، والسير به، بعيدا عن خط الكشف عن الحقيقة.
ولكن متى يستقيم المنهج؟
حينما يدخل الباحث في حرم التجربة مطهرا من دنس الغايات الرخيصة، ويستهدف العلم للعلم. لا لأية مصلحة ذاتية، أو غاية مادية، فهذا هو بالضبط روح البحث التي تحرك جسد المناهج وتحافظ عليه من الآفات ولقد نفخ الإسلام في روع الأمة هذه الروح، حينما جعل العلم سلما يرتقي عليه المؤمن إلى رحاب الله، ولكن لا يتحقق ذلك الا بالإخلاص لله في تحصيل العلم حتى يكون لله وحده لا لأية غاية أخرى كبيرة أو صغيرة، وقد استخدمت النصوص الدينية ثلاث وسائل متشابهة، تؤدي إلى تربية الإخلاص للعلم في نفوس الباحثين وهي كما يلي:
* الوسيلة الأولى: بيان أن العلم عبادة. ومعروف كيف يجب ان يخلص المؤمن في عبادته لله سبحانه .. كما أن الإسلام، يعطي بذلك للعلم قيمة ذاتية تعلو به عن الوصولية الرخيصة، فما دامت العبادة هي أشرف شيء عند المؤمن
[١] - المصدر السابق.