المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٦٩ - الحتمية التاريخية وإرادة التحدي
كبار المؤرخين الجدد، إذ انهم لم يحاولوا- كما حاول بعض فلاسفة التاريخ في القرن السابق- أن يدرسوا التاريخ كأنه نموذج واحد فقط، وخاضع لسنن حتمية قاهرة لا تتغير، بل درسوه على أساس كتاب متعدد الأوجه. فمثلا توينبي الذي درس إحدى وعشرين حضارة أصيلة، درسها دراسة مستوفاة، باحثا في كل حضارة عن روحها ولبابها، وميزاتها، وسماتها، ثم أدلى برأيه في الحضارة، وهو رأي معتدل نوعا ما، إذ انه لا ينسى التنويه بدور الإرادة البشرية، إذ انه استنبط من خلال دراسته: (ان تاريخ كل أمة من الأمم التي اختارها موضوعا لدراسته، انما هو استجابة لتحدي الظروف التي وجدت فيها [١]. إن الاستجابة لا تقع بطريقة عشوائية أو حتمية، بل بوعي وإرادة حرة).
(وعند دراسة توينبي للحضارات التي اختارها، تبين أن المجموعات البشرية التي تقودها جماعات من القادة وأصحاب الرأي وهؤلاء هم الذين يقودون الجماعة، في استجابتها للتحدي، ويحددون نوع هذه الإستجابة بحسب ملكاتهم فإذا كانت استجابتهم قائمة على ابتداع الوسائل التي تمكن الجماعة من التغلب على المصاعب التي تواجهها، والسير إلى الأمام كانت هذه الجماعة موفقة وسار تاريخ الجماعة إلى الأمام لأن الاستجابة كانت ابتكارية، أو ابتداعية، ولا تزال الأمة في صعود وتقدم ما دام قادتها محتفظين بالقدرة على الإستجابة الابتداعية، فإذا عجزوا عن ذلك أخذ سير الجماعة كلها يتلكأ ويتراخى وربما توقف) وبينما كان اشبلنجر- مثل ابن خلدون- يرى: (أن الإستجابة الابتداعية تصل إلى ذروتها ثم تتوقف) أي إن موت الحضارة لا مفر منه. يرى توينبي: أنه من الممكن أن تستمر الحضارة في الاستجابة الإبتداعية ولا تموت بذلك [٢].
[١] - المصدر، ص ١٠٥.
[٢] - المصدر، ص ١٠٦.