المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١١ - الفروض وبصيرة التناسب
ولكن لا يعني هذا عدم وجود أية فكرة عن طبيعة الحدس، وعن طريقته في وضع الفروض، أو حتى في معرفة القوانين العلمية، إنما يعني اهمال المنهج الحديث لهذا الجانب، وهو إهمال مضر جدا إذ انه مرتبط بأهم حلقة في سلسلة المنهج التجريبي، وهي البصيرة الذاتية، التي بدونها لا تنفع الأساليب، أنى كثرت وتنوعت، فما هي طريقة الفرض الصحيح وما هي العوامل الذاتية التي تؤثر فيه؟
أولا: سبق الحديث عن الذوق الفطري، والحدس السليم، وهناك قلنا إن الحدس السليم، يعتمد على عاملين أساسيين، أولهما هضم المعلومات السابقة بشكل جيد ودمجها إلى بعضها، وكثرة النظر فيها، وفي الصلة بين بعضها والبعض الآخر، والثاني الثقة بالعقل، والجرأة في النظر، وهذان الأمران يرتبطان بالفرض أيضا.
ثانيا: من القواعد الأساسية في الفكر البشري، قاعدة التشابه أو التناسب. فبهذه القاعدة يكشف الإنسان كثيرا من الأسرار، وهذه القاعدة تعني أن الشيء يتفاعل مع أي شيء آخر، يعطيه ويأخذ منه، ضمن محور التناسب، فالكبير يعطي كثيرا ويأخذ كثيرا والصغير بالعكس، والحار يولد الحرارة والبارد البرودة، وهكذا .. والذي يوجد في زمان معين، لا بد أن يتفاعل مع ما يتناسب معه، فبهذه القاعدة مثلا نعرف ان هذه الحرارة وليدة هذه النار لأنها تتناسب في حجمها وقوتها، وزمانها و .. وأشياء أخرى مع النار. وإذا رأينا ريشة سقطت في البحر، لا نفكر أبدا في أن تكون هي العلة في إحداث أمواج البحر، إذ إن الظاهرتين لا تتناسبان. وليس التناسب في أشياء معينة فقط، إنما بصيرة الإنسان مزودة بقدرة على معرفة التشابه، بين ظاهرتين، وبالتالي معرفة ارتباطهما ببعضهما. وبصيرة التناسب هذه هي حجر الزاوية في الكشف عن السنن الكونية، وهي قد تهدينا بشكل غامض، فتولد فروضا وقد تهدينا بصورة جازمة، فتولد التعميم والقانون العلمي، وعلى الفرد أن ينمي في نفسه هذه البصيرة ليستطيع وضع فروض جيدة. فقبل (اختراع) الفرض، يوجه اهتماما