المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٥ - بين العلم والقطع
ثالثا: والفكرة (ناشئة العقل والعلم) تتميز بخصائص كالتالية:
أ- بأنها ثابتة جازمة لا تقبل الريب إذ إن ذاتها الكشف ومشاهدة الواقع ومباشرة وجدانه، وكيف تجد النفس الواقع ثم تتشكك فيه؟
ب- وهي شاملة لا تخصص، فإذا كانت الرذيلة قبيحة عند العقل، فلن يكون هناك فرق بين الناس الذين تصدر منهم الرذيلة، أن يكونوا من الكبراء أو من المستضعفين، من عرق أو آخر، في عصر أو آخر.
ج- إن أحكام العقل تتفق عليها عقول الناس جميعا.
فالعقل هو العقل عند أي إنسان كان، ولذلك فهو حجة بين العباد- كما جاء في حديث مأثور- دعنا نذهب أنى شئنا فسوف لا نجد الفضيلة في الخيانة والنفاق، وإيثار النفس على الآخرين كما لا نجد الرذيلة في التضحية والإباء والشجاعة والكرم.
رابعا: لا تتطور أحكام العقل بتطور الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية أو الفسيولوجية، لأن أحكام العقل كاشفة عن الواقع كما تكشف المرآة عن الأشياء. فكما أن تطور الأشياء لا يغير من كشف المرآة، بل تظل المرآة ثابتة، كذلك تطور الحياة، لا يعني ان العلم يتطور أيضا.
وكلمة أخيرة؛ النصوص الإسلامية تحدثت طويلا عن العقل وجنوده، والجهل وجنوده، لكي يستوضح الإنسان رؤيته، عما تجري داخل ذاته، من تصارع العقل والهوى، والعلم والشهوات، وذلك لأن التنبه الذاتي إلى مصدر الفكر الصحيح الداعي إلى الخير والموضح للحق، والرادع عن الطيش والباطل، ثم إلى مصدر الفكر الباطل الداعي إلى الشر، والجهل، والطيش والضلال.
أقول التنبه الذاتي إلى مصدر كل واحد من الفكرتين سيعطينا مقياسا واضحا للفرق بين العلم والجهل.