المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٤ - بين العلم والقطع
الجواب: لا تصدر الفكرة إلا من واحدة من القوتين المتنازعتين في النفس، أما العقل وأما الهوى، ولا يمكن أن توجد فكرة من دون علة أو مصدر. فإذا كانت الفكرة ناشئة من العقل، كانت علما وإذا كانت من الهوى كانت ظنا (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) ولكن كيف تتميز الفكرة الناشئة عن أختها؟
أولا: بالتأمل الذاتي، الذي يعني توجيه سلسلة من الأسئلة الداخلية: كيف اعتنقت هذه الفكرة؟ ولماذا؟ وهل أرفضها في ظروف معينة مثلا؟ هل أرفض فكرة الرأسمالية إذا أصبحت عاملا أم لا؟ ... وهل استسلمت للفكرة نتيجة ضغط معين؟ أم اطمأننت بها من دون ضغط؟ ... إن لحظة واحدة من التأمل الذاتي كفيلة بفضح خلفيات الفكرة ومنشئها.
ثانيا: الفكرة وليدة الهوى، متغيرة وفق متغيرات الهوى، يخبو وهجها، وتقل احتمالاتها إذا ضعف الهوى، وتتغير كلية إذا تغير، ثم تعود إذا عاد. فمثلا الشعب الذي يعتنق الأفكار استجابة للسلطة، رغبة أو رهبة، تتغير أفكاره كلما تغيرت السلطة وتضعف أفكاره كلما ضعفت السلطة. والفرد الذي يستوحي أفكاره من واقع الطبقة التي ينتمي اليها، بروجوازية أو بروليتارية أو بيوقراطية، تتغير أفكاره كلما تغير موقعه. فيوما يكون مؤمنا بالرأسمالية، ويوما بالاشتراكية، ويوما بالحرية، ويوما بالدكتاتورية .. و .. و .. عن هذه الحقيقة يقول القرآن الحكيم:
(ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا [١] واتبع هواه، وكان أمره فرطا) [الكهف/ ٢٨] يبين القرآن أن اتباع الهوى يتسبب في فوضى أمور الإنسان، لأنها لا ترسو- آنئذ- على قواعد ثابتة.
[١] - تحدثنا- سابقا- عن أن (ذكر الله) و (الثقة بالله) و (التوكل على الله) هي مفاتيح لغز العقل ووسيلة استثارته واستثماره.