بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٤٦٩
وهما بما ترون من حال الفقر والذل؟! فهلا ألقي عليهما أساورة من ذهب؟ إعظاما للذهب وجمعه ، واحتقارا للصوف ولبسه ، ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ومعادن العقيان ومغارس الجنان وأن يحشر معهم طير السماء ووحوش الارض لفعل ، ولو فعل لسقط البلاء ، وبطل الجزاء ، واضمحل الانباء ، [١] ولما وجب للقابلين أجور المبتلين ، [٢] ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين ، ولا لزمت الاسماء معانيها ، ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم ، وضعفة فيما ترى الاعين من حالاتهم ، مع قناعة تملا القلوب والعيون غنى ، وخصاصة تملا الابصار والاسماع أذى ولو كانت الانبياء : أهل قوة لاترام وعزة لاتضام وملك تمتد نحوه أعناق الرجال وتشد إليه عقد الرحال لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار وأبعد لهم في الاستكبار [٣] ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم فكانت النيات مشتركة ، والحسنات مقتسمة ، ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله والتصديق بكتبه والخشوع لوجهه والاستكانة لامره والاستسلام لطاعته أمورا له خاصة ، لايشوبها من غيرها شائبة ، وكلما كانت البلوى و الاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل ، ألا ترون أن الله سبحانه اختبر الاولين من لدن آدم ٧ إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ، فجعلها بيته الحرام الذي جعله الله للناس قياما ، ثم وضعه بأوعر بقاع الارض حجرا ، و أقل نتائق الدنيا [٤] مدرا ، وأضيق بطون الاودية قطرا ، بين جبال خشنة ، ورمال دمثة ، وعيون وشلة ، وقرى منقطعة ، لا يزكو بها خف ولا حافر ولا ظلف. [٥]
[١]في نسخة : واضمحل الاشياء. وفي المصدر : واضمحلت الانباء.
[٢]في هامش المطبوع : مبتلين بفتح اللام كالمعطين والمرتضين جمع معطى ومرتضى.
[٣]في نسخة : وأبعد لهم من الاستكبار. قوله ( أهون ) أي أضعف تأثيرا في تربيتهم واتعاظهم بأقوالهم ( وأبعد لهم ) أي أشد توغلا بهم في الاستكبار لان الانبياء يكونون قدوتهم في الكبر والعظمة حينئذ.
[٤]في المصدر : نتائق الارض.
[٥]لايزكو أي لاينمو. خف أي ذا خف أي جمال وخيل وبقر وغنم ، تعبير عنها بما ركبت عليه قوائمها.