بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٠٩
جعل الله الشهور لها ساعات ، ثم ناداها جبرئيل : « وهزي إليك بجذع النخلة » أي هزي النخلة اليابسة ، فهزت وكان ذلك اليوم سوقا فاستقبلها الحاكة وكانت الحياكة أنبل صناعة في ذلك الزمان ، فأقبلوا على بغال شهب ، فقالت لهم مريم : أين النخلة اليابسة؟ فاستهزؤوا بها وزجروها ، فقالت لهم : جعل الله كسبكم نزرا ، [١] وجعلكم في الناس عارا ، ثم استقبلها قوم من التجار فدلوها على النخلة اليابسة فقالت لهم : جعل الله البركة في كسبكم ، و أحوج الناس إليكم ، فلما بلغت النخلة أخذها المخاض فوضعت بعيسى ، فلما نظرت إليه قالت : « ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا » ماذا أقول لخالي؟ وماذا أقول لبني إسرائيل؟ فناداها عيسى من تحتها : « ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا » أي نهرا « وهزي إليك بجذع النخلة « أي حركي النخلة » تساقط عليك رطبا جنيا » أي طيبا ، وكانت النخلة قد يبست منذ دهر طويل فمدت يدها إلى النخلة فأورقت وأثمرت وسقط عليها الرطب الطري وطابت نفسها ، فقال لها عيسى : قمطيني وسويني ثم افعلي كذا وكذا ، فقمطته وسوته ، وقال لها عيسى : « فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما » وصمتا كذا نزلت « فلن أكلم اليوم إنسيا » ففقدوها في المحراب فخرجوا في طلبها ، وخرج خالها زكريا ٧ فأقبلت وهو في صدرها وأقبلن مؤمنات بني إسرائيل يبزقن في وجهها ، فلم تكلمهن حتى دخلت في محرابها ، فجاء إليها بنو إسرائيل وزكريا فقالوا لها : « يامريم لقد جئت شيئا فريا * (٢) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا » ومعنى قولهم : يا أخت هارون أن هارون كان رجلا فاسقا زانيا فشبهوها به ، [٣] من أين هذا البلاء الذي جئت به والعار الذي ألزمته بني إسرائيل؟ فأشارت إلى عيسى في المهد فقالوا لها : « كيف نكلم من كان في المهد صبيا » فأنطق الله عيسى ٧ فقال : « إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلوة والزكوة مادمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا
[١]النزر : القليل أي جعل الله ربحه قليلا.
[٢]في المصدر : أي عظيما من المناهى.
[٣]راجع ماسيأتي عن الطبرسي في ذلك.