بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ١٦٦
فقالت : أتأذن لي يابني أن أتخذ لك قطعتي لبود تواريان أضراسك وتنشفان دموعك؟ فقال لها : شأنك ، فاتخذت له قطعتي لبود تواريان أضراسه وتنشفان دموعه حتى ابتلتا من دموع عينيه [١] فحسر عن ذراعيه ، ثم أخذهما فعصرهما فتحدر الدموع من بين أصابعه ، فنظر زكريا ٧ إلى ابنه وإلى دموع عينيه فرفع رأسه إلى السماء فقال : اللهم إن هذا ابني وهذه دموع عينيه وأنت أرحم الراحمين.
وكان زكريا (ع) إذا أراد أن يعظ بني إسرائيل يلتفت يمينا وشمالا فإن رأى يحيى ٧ لم يذكر جنة ولا نارا ، فجلس ذات يوم يعظ بني إسرائيل وأقبل يحيى قد لف رأسه بعباءة فجلس في غمار الناس [٢] والتفت زكريا ٧ يمينا وشمالا فلم ير يحيى فأنشأ يقول : حدثني حبيبي جبرئيل ٧ عن الله تبارك وتعالى أن في جهنم جبلا يقال له السكران ، في أصل ذلك الجبل واد يقال له الغضبان لغضب الرحمن تبارك وتعالى ، في ذلك الوادي جب قامته مائة عام ، في ذلك الجب توابيت من نار ، في تلك التوابيت صناديق من نار ، وثياب من نار ، وسلاسل من نار ، وأغلال من نار ، فرفع يحيى ٧ رأسه فقال : واغفلتاه من السكران ، ثم أقبل هائما على وجهه ، [٣] فقام زكريا (ع) من مجلسه فدخل على أم يحيى فقال لها : يا أم يحيى قومي فاطلبي يحيى فإني قد تخوفت أن لانراه إلا وقد ذاق الموت ، فقامت فخرجت في طلبه حتى مرت بفتيان من بني إسرائيل فقالوا لها : يا أم يحيى أين تريدين؟ قالت : أريد أن أطلب ولدي يحيى ، ذكرت النار بين يديه فهام على وجهه ، فمضت أم يحيى والفتية معها حتى مرت براعي غنم فقالت له : يا راعي هل رأيت شابا من صفته كذا وكذا؟ فقال لها : لعلك تطلبين يحيى بن زكريا؟ قالت : نعم ذاك ولدي ، ذكرت النار بين يديه فهام على وجهه ، قال : إني تركته الساعة على عقبة ثنية كذا وكذا ، ناقعا قدميه [٤] في الماء ، رافعا بصره إلى السماء يقول : « وعزتك مولاي لاذقت بارد الشراب
[١]هكذا في النسخ ، وفي المصدر : فبكى حتى ابتلتا من دموع عينيه.
[٢]اي في جماعتهم ولفيفهم.
[٣]هام على وجهه : ذهب لايدري أين يتوجه.
[٤]من نقع الدواء في الماء : اقره فيه.