نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٥٨ - ٩٢ نسخة عهد في التطفيل
حتى يحصل محصلا، قلّما حصله أحد قبله فانصرف عنه، إلاّ ضلعا [١] من الطعام، نزيفا [٢] من المدام.
و أمره أن ينصب الأرصاد، على منازل المغنّيات و المغنّين، و مواطن الإبليات [٣] و المخنّثين [٤] ، فإذا أتاه خبر لمجمع يضمّهم، أو مأدبة تعمّهم، ضرب إليها أعقاب إبله، و انضى حولها مطايا خيله، و حمل عليها حملة الحوت الملتقم، و الثعبان الملتهم، و الليث الهاجر، و العقاب الكاسر.
و أمره أن يتجنّب مجامع العوام المقلّين، و محافل الرعاع المقترين، و أن لا ينقل إليها قدما، و لا يفضّ لمأكلها فما، و لا يلقي في عتب دورها كيسانا [٥] ، و لا يعدّ الرجل منها إنسانا، فإنها عصابة تجتمع لها ضيق النفوس و الأحوال، و قلّة الأحلام و الأموال، و في التطفيل عليها إجحاف بها يؤثم، و أرزاء بمروءة المطفّل، و التجنّب لها أجدى، و الازورار عنها أرجى.
و أمره أن يحزر الخوان إذا وضع، و الطعام إذا نقل، حتى يعرف بالحدس و التقريب، و البحث و التنقيب، عدد الألوان، في الكثرة و القلّة، و افتنانها في الطيب و اللذّة، فيقدّر لنفسه أن يشبع مع آخرها، و ينتهي عند انتهائها، و لا يفوته النصيب من كثيرها و قليلها، و لا يخطئه الحظّ من دقيقها و جليلها.
[١] ضلع ضلعا: امتلأ شبعا.
[٢] النزيف: السكران.
[٣] الإبليات: النائحات، و التأبيل بمعنى التأبين، أي ذكر الميت بعد وفاته، و الإبليات كن يرقصن و يغنين في الأفراح (الديارات ١٥٢) و ينحن في مجالس الأحزان (الأغاني ٧/ ٣٠٦ و ٨/٣٤٦ و ١٠/١٩٢) .
[٤] كان المخنثون يستأجرون للطم في المآتم (معجم الأدباء ٥/٢٠٥) و للرقص في الأفراح (القصة ٤/١٠٤ من نشوار المحاضرة جـ ٤ ص ٢١٩) .
[٥] كيسان: فهر أبي سلمة الطفيلي، راجع حاشية القصة ٧/٨٣ من النشوار.