نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٧٩ - ١٥٨ يبايع بالخلافة و هو لاجئ في البطائح
و الإحفاء بي، و الرفع من مجلسي، و الزيادة في بسطي، و أجتهد في تقبيل يده، فيمنعنيها، و لا يمكّنني منها.
فاتّفق أن دخلت يوما على رسمي، فوجدته متأهّبا، تأهّبا لم أعرف سببه، و لا جرت له به عادة، و لم أر منه، ما عوّدنيه، من الإكرام، و الرفع من مجلسي، و الإقبال عليّ، و البسط لي، و جلست دون موضعي، فما أنكر ذلك مني، و رمت تقبيل يده، فمدها إليّ، و شاهدت، من أمره، و فعله، ما اشتدّ وجومي له، و اختلفت منّي الظنون فيه، و قلت له عند رؤيتي ما رأيته، و إنكاري ما أنكرته: أ يؤذن لي بالكلام؟ قال: قل.
قلت: أرى اليوم من الانقباض عنّي، ما قد أوحشني، و خفت أن يكون لزلّة كانت منّي، فإن يكن ذلك، فمن حكم التفضّل إشعاري به، لأطلب بالعذر مخرجا منه، و أستعين بالأخلاق الشريفة في العفو عنه.
فأجابني بوقار: اسمع أخبرك، رأيت البارحة في منامي، كأنّ نهركم هذا، و أومأ إلى نهر الصليق [١] ، قد اتّسع، حتى صار في عرض
[١] الصلق، في اللغة: القاع المستوي المطمئن، و ذكر ياقوت في معجمه ٣/٤١٥: أن الصليق اسم مواضع كانت في بطيحة واسط، بينها و بين بغداد، كانت دار ملك مهذب الدولة أبي نصر المستولي على تلك البلاد، و قبله لعمران بن شاهين، كانت ملجأ لكل خائف، و مأوى لكل مطرود، إذا هرب الخائف من بغداد، و هي دار ملك بني العباس، و آل بويه، و السلجوقية، لجأ إلى صاحبها، فلا سبيل إليه بوجه، و لا يمكن استخلاصه بالغلبة أبدا، أقول: و في شمالي بغداد، اليوم، منطقة تسمى: الصليخ، بالخاء، أحسبها محرفة عن الصليق، و لعلها سميت باسمها هذا، لاستواء قاعها و انخفاضه، و يظهر لي أنها هي المنطقة التي كانت تسمى قبلا: الشماسية، و قد بنى فيها معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه دارا في السنة ٣٥٠ بلغت النفقة عليها ثلاثة عشر ألف ألف درهم، ذكرها ياقوت في معجمه ٣/٣١٧ و ٣١٨ و قال: إن مسناة دار معز الدولة، كان أثرها باقيا في أيامه، أما باقي المحلة فهي صحراء موحشة.