نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٦٨ - ١٥٣ النار ما اشتملت عليه ضلوعه و الماء ما سحّت به أجفانه
قال: لا بد من الوفاء لها، و ما أثق في هذا بغيرك، فتأهّب لتحملها إلى بغداد، فإذا غنّت هناك، فاصرفها.
فقلت: سمعا و طاعة.
قال: ثم قمت، و تأهّبت، و أمرها بالتأهّب، و أصحبها جارية له سوداء، تعادلها [١] و تخدمها، و أمر بناقة و محمل، فأدخلت فيه، و حملها معي، ثم سرت إلى مكة، مع القافلة، فقضينا حجّنا، ثم دخلنا في قافلة العراق، و سرنا [٢] .
فلمّا وردنا القادسية [٣] ، أتتني السوداء عنها، فقالت: تقول لك سيّدتي، أين نحن؟فقلت لها: نحن نزول بالقادسيّة.
فانصرفت إليها، فأخبرتها، فلم أنشب أن سمعت صوتها يرتفع بالغناء:
لمّا وردنا القادسيّ # ة حيث مجتمع الرفاق
و شممت من أرض الحجا # ز نسيم أنفاس العراق
أيقنت لي و لمن أحـ # بّ بجمع شمل و اتّفاق
و ضحكت من فرح اللقا # ء كما بكيت من الفراق
فتصايح الناس من أقطار القافلة: أعيدي باللّه، أعيدي باللّه.
قال: فما سمع لها كلمة.
[١] تعادلها: تكون عديلة لها في ركوب الهودج.
[٢] كان المسافر من مصر إلى العراق في ذلك الحين، عليه أن يمر بالحجاز، و للاطلاع على المواضع التي يمر بها، راجع رحلة ابن جبير، و رحلة ابن بطوطة.
[٣] القادسية: قال عنها ياقوت في المشترك و صفا و المفترق صقعا ٣٣٧: انها بليدة بينها و بين الكوفة خمسة عشر فرسخا، في طريق الحاج، و بها كانت وقعة القادسية في أيام عمر بن الخطاب و إمارة سعد بن أبي وقاص. أقول: شاهدت القادسية في السنة ١٩٣٥ عند ما كنت حاكما في أبي صخير، فلم أجد فيها إلا الحجارة المبعثرة.