نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٨٠ - ١٥٨ يبايع بالخلافة و هو لاجئ في البطائح
دجلة دفعات، و كأنّني متعجب من ذلك، و سرت على ضفتيه، متأملا لأمره، و مستطرفا لعظمه [١] ، فرأيت دستاهيج قنطرة [٢] ، فقلت: ترى من قد حدّث نفسه، بعمل قنطرة في هذا الموضع، و على هذا البحر الكبير، و صعدته، و كان وثيقا محكما، و مددت عيني، فإذا بإزائه مثله، فزال عني الشك، في أنهما دستاهيج قنطرة، و أقبلت أصعّد، و أصوب نظري، و أتعجّب.
و بينا أنا واقف عليه، رأيت شخصا قد قابلني من ذلك الجانب الآخر، و ناداني: يا أحمد، تريد أن تعبر؟ قلت: نعم.
فمدّ يده، حتى وصلت إليّ، و أخذني، و عبّرني، فهالني أمره و فعله، و قلت له، و قد تعاظمني فعله: من أنت؟ قال: أنا عليّ بن أبي طالب، و هذا الأمر صائر إليك، و يطول عمرك فيه، فأحسن إلى ولدي و شيعتي.
فما انتهى الخليفة إلى هذا الكلام، حتى سمعنا صياح الملاحين، و ضجيج ناس، فسألنا عن ذلك، فقيل: ورد أبو علي الحسن بن محمد بن نصر، و معه جماعة، و إذا هم الواردون للإصعاد به، و قد تقرّرت الخلافة له،
[١] الطريف: الغريب النادر من كل شيء، و استطرف الشيء، تعجب من غرابته.
[٢] الدستاهيج: قال العلامة أحمد تيمور إنه الدعامة التي تبنى بجوار السور لتقويته (حاشية القصة ١/٧٠ من النشوار) ، و يتراءى لي أن هذا التعريف لا يفي بكامل القصد، فإن (دست) بالفارسية: اليد، و الدستاهيج: الجزء الناتئ من الحائط أو البناء، من أجل أن يمسك البناء و يقويه، و دستاهيج القنطرة، يكون نتوءه من الداخل لكي يمسك البناء، و من الخارج لكي يستقر عليه طرف القنطرة.