نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٥٠ - ١٤٤ مسافر لا يفكر في قطع الطريق
١٤٤ مسافر لا يفكر في قطع الطريق
قال عبد الواحد بن نصر المخزومي [١] : أخبرني من أثق به أنّه خرج في طريق الشام، مسافرا يمشي و عليه مرقّعة، و هو في جماعة، نحو الثلاثين رجلا، كلّهم على هذه الصفة، قال: فصحبنا في بعض الطريق رجل شيخ، حسن الهيأة، معه حمار فاره يركبه، و معه بغلان عليهما رحل، و قماش، و متاع فاخر.
فقلنا له: يا هذا، إنّا لا نفكّر في خروج الأعراب علينا، فإنّه لا شيء معنا يؤخذ، و أنت لا تصلح لك صحبتنا، مع ما معك.
فقال: يكفينا اللّه.
ثم سار، و لم يقبل منّا، و كان إذا نزل يأكل، استدعى أكثرنا، فأطعمه و سقاه، و إذا أعيا الواحد منا، أركبه على أحد بغليه، و كانت الجماعة تخدمه و تكرمه، و تتدبّر برأيه.
إلى أن بلغنا موضعا، فخرج علينا نحو ثلاثين فارسا من الأعراب، فتفرّقنا عليهم، فقال الشيخ: لا تفعلوا، فتركناهم، و نزل، فجلس، و بين يديه سفرته، ففرشها، و جلس يأكل.
و أظلّتنا الخيل، فلما رأوا الطعام، دعاهم إليه، فجلسوا يأكلون، ثم حلّ رحله، و أخرج منه حلوى كثيرة، و تركها بين يدي الأعراب، فلما أكلوا، و شبعوا، جمدت أيديهم، و خدرت أرجلهم، و لم يتحرّكوا.
[١] أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي الحنطبي، المعروف بأبي الفرج الببغاء الشاعر: ترجمته في حاشية القصة ١/٥٢ من النشوار.