نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٩١ - ٥٤ و ما ظالم إلا سيبلى بأظلم
و إذا عندها أحداث يشربون، و بين أيديهم من جميع الفواكه و الرياحين، فرحّبوا بي، و قرّبوني، و أجلسوني معهم.
و رأيت لهم بزّة حسنة، فوضعت عيني عليها، فجعلت أسقيهم و أرفق بنفسي، إلى أن ناموا، و نام كلّ من في الدار.
فقمت و كوّرت ما عندهم، و ذهبت أخرج.
فوثب عليّ الكلب و ثبة الأسد، و صاح، و جعل يتراجع و ينبح، إلى أن انتبه كل نائم، فخجلت، و استحييت.
فلما كان النهار، فعلوا مثل فعلهم بالأمس، و فعلت أنا بهم أيضا مثل ذلك، و جعلت أوقع الحيلة في أمر الكلب إلى الليل، فما أمكنتني فيه حيلة.
فلما ناموا، رمت الذي رمته، فإذا الكلب قد عارضني بمثل ما عارضني به.
فجعلت أحتال، ثلاث ليال، فلما أيست، طلبت الخلاص منهم بإذنهم، فقلت: أ تأذنون لي، فإنّي على وفز [١] .
فقالوا: الأمر إلى العجوز.
فاستأذنتها، فقالت: هات الذي أخذته من الصيرفي، و امض حيث شئت، و لا تقم في هذه المدينة، فإنّه لا يتهيأ لأحد فيها معي عمل.
فأخذت الكيس و أخرجتني، و وجدت مناي أن أسلم من يدها.
و كان قصار اي أن أطلب منها نفقة، فدفعت إليّ، و خرجت معي، حتى أخرجتني عن المدينة، و الكلب معها، حتى جزت حدود المدينة.
و وقفت، و مضيت، و الكلب يتبعني، حتى بعدت، ثم تراجع ينظر إليّ، و يلتفت، و أنا أنظر إليه، حتى غاب عن عيني.
الأذكياء ١٨٨
[١] الوفز: العجلة.