نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٣٨ - ١٣٧ من يفعل الخبر لا يعدم جوازيه
قال: ثم إنّ السلطان، رضي عن الوزير، و عاد إلى أفضل مما كان عليه، فدخلت عليه؛ فلمّا أبصرني، طأطأ رأسه، و لم يملأ عينه منّي فقلت: هذا ما قالته لي امرأتي.
و كنت أغدو إليه بعد، و أروح، فلا يزداد إلاّ إعراضا عنّي، حتى أنفقت تلك الدنانير، و بقيت متعطّلا، أبيع ما في بيتي.
و بكّرت إلى ابن الفرات يوما، على ما بي من انكسار، و ضعف حال و منّة، فدعاني، و قال: وردت البصرة سفن من بلاد الهند، فانحدر، و فسّرها، و اقبض حقّ بيت المال [١] ، و ما كان من رسمنا من المستثنى [٢] ، و لا تتأخر.
فعدت إلى أهلي، فقلت لها: من تمام المحنة، إنّه كلّفني سفرا، و أنا لا أقدر على ما أنفقه.
قال: فناولتني خمارا [٣] لها، و قرطين، فبعت ذلك، و جعلت ثمنه نفقتي، و انحدرت، و فسّرت السفن [٤] ، و قبضت حقّ بيت المال، و رسم الوزير، فحملته إلى بغداد، و عرّفت الوزير فقال: سلّم حقّ بيت المال، و اقبض الرسم المستثنى لنا، و كم هو؟
[١] حق بيت المال: الرسم المقرر استيفاؤه على البضاعة التي ترد من خارج البلاد، و هو ما يسمى بالرسم الكمركي.
[٢] المال المستثنى: هو المال الذي يؤديه صاحب الحاجة سرا، على سبيل المصانعة و الارتفاق، لقاء ما يلقاه من تخفيف و معونة.
[٣] الخمار، بكسر الخاء، في اللغة: الستر، و في الاصطلاح: ما يغطى به الرأس، و يلف ذيله على الأنف و الفم، و الفرق بينه و بين اللثام، أن اللثام يلف الأنف و ما حوله من دون أن يغطي الرأس.
[٤] التفسير: الايضاح، يقال: فسر المغطى، إذا كشف عنه، و يرد هنا بمعنى إجراء الكشف على البضاعة من أجل تعيين مقدار الرسم المقتضى استيفاؤه عنها.