نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٢٥ - ١٣٠ كلب خلص صاحبه من موت محقق
خرساء، زمنة [١] ، قد رأت ما صنع الأفعى.
و وافى الملك من الصيد في آخر النهار، فقال: يا غلمان، أوّل ما تقدمون إليّ الثريدة.
فلما قدموها بين يديه، أومأت الخرساء إليهم، فلم يفهموا ما تقول، و نبح الكلب و صاح، فلم يلتفتوا إليه، و ألحّ في الصياح ليعلمهم مراده فيه.
ثم رمى إليه بما كان يرمي إليه في كل يوم، فلم يقربه، و لجّ في الصياح.
فقال لغلمانه: نحّوه عنّا، فإن له قصّة، و مد يده إلى اللبن.
فلما رآه الكلب، يريد أن يأكل، وثب إلى وسط المائدة، و أدخل فمه في اللبن، و كرع [٢] منه، فسقط ميتا، و تناثر لحمه.
و بقي الملك متعجّبا منه و من فعله، فأومأت الخرساء إليهم، فعرفوا مرادها، و ما صنع الكلب.
فقال الملك لندمائه و حاشيته: إنّ كلبا قد فداني بنفسه، لحقيق بالمكافأة، و ما يحمله و يدفنه غيري، و دفنه بين أبيه و أمه، و بنى عليه قبّة، و كتب عليها ما قرأت، و هذا ما كان من خبره [٣] .
فضل الكلاب على من لبس الثياب ١٦
[١] الزمانة: العاهة تعدم بعض الأعضاء و تعطلها و تحول بين الزمن و بين السعي لنفسه.
[٢] كرع الماء، بفتح الكاف و الراء: مد عنقه، و تناول الماء بفمه من موضعه، و جرع الماء، بفتح الجيم و الراء: إذا ابتلع الماء بمرة، قال الشاعر: الجرع أروى، و الرشيف أنقع، و يقال: جرّع الماء، بتشديد الراء: أبلعه الماء جرعة بعد جرعة، و البغداديون يقولون: جرّع-بالجيم الفارسية المثلثة و الراء المشددة-لمن يمد رأسه، و يتناول الماء بفمه، في جرعات طويلة.
[٣] رواية القابسي عن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي.