نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٥٩ - ٩٢ نسخة عهد في التطفيل
و متى أحسّ بقلّة الطعام، و عجزه عن الإقدام، أمعن في أوّله، إمعان لكيّس في سعيه، الرشيد في أمره، المالئ لبطنه، من كل حارّ و بارد.
فإذا فعل ذلك، سلم من عواقب الأغمار، الذين يكفّون تظرّفا، و يقلّون تأدبا، و يظنون أنّ المادة تبلغهم إلى آخر أمرهم، و تنتهي بهم إلى غاية شبعهم، فلا يلبثون أن يخجلوا خجلة الوامق، و ينقلبوا بحسرة الخائب، أعاذنا اللّه من مثل مقامهم، و عصمنا من شقاء جدودهم.
و أمره أن يروض نفسه، و يغالط حسّه، و يضرب عن كثير مما يلحقه صفحا، و يطوي دونه كشحا، و يستحسن الصمم عن الفحشاء، و يغمض عن اللفظة الخشناء، و إن أتته اللكزة في حلقه، صبر عليها في الوصول إلى حقه، و إن وقعت به الصفعة في راسه، أغضى عنها لمراتع أضراسه، و إن لقيه ملاق بالجفاء، قابله باللطف و الصفاء، إذ كان إذا ولج الأبواب، و خالط الأسباب، و جلس مع الحضور، و امتزج بالجمهور، فلا بدّ أن يلقاه المنكر لأمره، و يمرّ به المستغرب لوجهه، فإن كان حرّا حييّا، أمسك و تذمّم، و إن كان فظّا غليظا، همهم و تكلّم، و أن يجتنب عند ذلك المخاشنة، و يستعمل مع المخاطب له الملاينة، ليردّ غيظه، و يفلّ حدّه، و يكف غربه، ثم إذا طال المدى تكررت الألحاظ عليه فعرف، و أنست النفوس به فألف، و نال في الحال المجتمع عليها، منال من جشم وسيل [١] العنا إليها.
و لقد بلغنا أنّ رجلا من هذه العصابة، كان ذا فهم و دراية، و عقل و حصافة، طفل على وليمة رجل ذي حال عظيمة، فرمقته فيها من القوم العيون، و تصرّفت بهم فيه الظنون، فقال له قائل منهم. من تكون أعزّك اللّه؟
[١] الوسيل: جمع وسيلة.