العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٤ - هند و زواجها من أبي سفيان
الرجل و لم تؤامرني في نفسي، فعرض لي معه ما عرض؛ فلا تزوّجني من احد حتى تعرض عليّ امره، و تبيّن لي خصاله، فخطبها سهيل بن عمرو، و أبو سفيان بن حرب. فدخل عليها أبوها و هو يقول:
أتاك سهيل و ابن حرب و فيهما # رضا لك يا هند الهنود و مقنع
و ما منهما إلا يعاش بفضله # و ما منهما إلا يضرّ و ينفع
و ما منهما إلا كريم مرزّأ # و ما منهما إلا أغرّ سميدع [١]
فدونك فاختاري فأنت بصيرة # و لا تخدعي إن المخادع يخدع
قالت: يا أبت، و اللّه ما أصنع بهذا شيئا، و لكن فسّر لي أمرهما و بيّن لي خصالهما، حتى أختار لنفسي أشدّهما موافقة لي. فبدأ بذكر سهيل بن عمرو، فقال:
أما أحدهما ففي ثروة واسعة من العيش، إن تابعتيه تابعك، و إن ملت عنه حطّ إليك، تحكمن عليه في أهله و ماله. و اما الآخر فموسّع عليه، منظور إليه، في الحسب الحسيب، و الرأي الأريب، مدره أرومته، و عزّ عشيرته. شديد الغيرة، كثير الظّهرة، لا ينام على ضعة، و لا يرفع عصاه عن أهله.
فقالت: يا أبت، الأوّل سيد مضياع للحرّة، فما عست ان تلين بعد إبائها، و تضيع تحت جناحه، إذا تابعها بعلها فأشرت، و خافها أهلها فأمنت، فساء عند ذلك حالها، و قبح عند ذلك دلالها، فإن جاءت بولد أحمقت، و إن أنجبت فعن خطأ ما أنجبت؛ فاطو ذكر هذا عني، و لا تسمّه عليّ بعد. و أما الآخر فبعل الفتاة الخريدة، الحرّة العفيفة، و إني للتي لا أريب له عشيرة فتعيره، و لا تصيّره بذعر فتضيره، و إني لأخلاق مثل هذا لموافقة، فزوّجنيه.
فزوجها من أبي سفيان، فولدت له معاوية، و قبله يزيد؛ فقال في ذلك سهيل بن عمرو:
نبّئت هندا تبّر اللّه سعيها # تأبّت و قالت وصف أهوج مائق [٢]
[١] السميدع: السيد الكريم السخيّ.
[٢] المائق: الذي كاد يبكي من شدة الغيظ.