العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧٧ - هاشمي و قينتان و مضحك
هاشمي و قينتان و مضحك
حدث أبو عبد اللّه بن عبد البر بمصر قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم عن الهيثم بن عدي قال: كان بالمدينة رجل من بني هاشم، و كان له قينتان، يقال لإحداهما رشا، و للأخرى جؤذر؛ و كان يحب الغناء، و كان بالمدينة مضحك لا يكاد يغيب عن مجلس أحد؛ فأرسل الهاشمي إليه ذات يوم ليضحك به، فلما أتاه قال: ما الفائدة فيك و في لذتك و لا لذة لي؟قال له: و ما لذتك؟قال: تحضر لي نبيذا، فإنه لا يطيب لي عيش إلا به. فأمر الهاشمي بإحضار نبيذ، و أمر أن يطرح فيه سكّر العشر، فلما شربه المضحك تحرك عليه بطنه؛ و تناوم الهاشمي و غمز جواريه عليه، فلما ضاق عليه الأمر و اضطر إلى التبرّز قال في نفسه: ما أظن هاتين المغنيتين إلا يمانيتين. و أهل اليمن يسمون الكنف المراحيض فقال لهما: يا حبيبتي، أين المرحاض؟قالت: إحداهما لصاحبتها: ما يقول: قالت يقول: غنياني:
رحضت فؤادي فخلّيتني # أهيم من الحبّ في كلّ واد [١]
فاندفعتا تغنيانه؛ فقال في نفسه: ما أراهما فهمتا عني، أظنهما مكيّتين و أهل مكة يسمونها المخارج. قال: يا حبيبتي، أين المخرج؟قالت إحداهما للأخرى: ما يقول؟ قالت: يقول غنياني:
خرجت بها من بطن مكّة بعد ما # أصات المنادي للصلاة فأعلما [٢]
فاندفعتا تغنيانه؛ فقال في نفسه: لم يفهما و اللّه عني، أظنهما شاميتين، و أهل الشام يسمونها المذاهب؛ فقال لهما: يا حبيبتي، أين المذهب؟قالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول؟قالت: يقول: غنياني:
ذهبت من الهجران في غير مذهب # و لم يك حقا كلّ هذا التّجنّب
فغنتاه الصوت؛ فقال في نفسه: لم يفهما عني، و ما أظنهما إلا مدنيتين و أهل المدينة
[١] رحض: أصابته الرحضاء، و الرحضاء العرق الكثير يغسل الجسد.
[٢] أصات: صاح.