العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٦٥ - المأمون و سوسن المغني و جارية
فلما ذهبت تقطّعه ضحك أبو نواس، فقالت: قبحك اللّه!ما برحت حتى أخذت بثأرك!
المأمون و سوسن المغني و جارية
حدّث أبو عبد اللّه بن عبد البر المدني قال: حدثني إسحاق بن ابراهيم الموصلي قال: كان للمأمون جماعة من المغنين، و فيهم مغنّ يسمى سوسنا، عليه وسم جمال قال:
فبينما هو عنده يغني إذ تطلعت جارية من جواريه فنظرت إليه فعلقته، فكانت إذا حضر سوسن تسوّي عودها و تغني:
ما مررنا بالسّوسن الغضّ إلا # كان دمعي لمقلتي نديما
حبّذا أنت و المسمّى به أنت و إن كنت منه أذكى نسيما فإذا غاب سوسن أمسكت عن هذا الصوت و أخذت في غيره؛ فلم تزل تفعل ذلك حتى فطن المأمون، فدعا بها و دعا بالسيف و النّطع [١] ؛ ثم قال: اصدقيني أمرك قالت:
يا أمير المؤمنين، ينفعني عندك الصدق؟قال لها: إن شاء اللّه!قالت: يا أمير المؤمنين، اطلعت من وراء الستارة فرأيته فعلقته، فأمسك المأمون عن عقوبتها، و أرسل إلى المغني فوهبها له و قال لا يربنا!.
قال أبو الحسن: و كان الواثق إذا شرب و سكر رقد في موضعه الذي سكر فيه، و من سكر من ندمائه ترك و لم يخرج؛ فشرب يوما فسكر و رقد، و انقلب أصحابه، إلا مغنيا أظهر التراقد، و بقيت معه مغنية للواثق؛ فلما خلا المجلس وقع المغني في سحاءة [٢] و دفعها إليها:
إني رأيتك في المنام كأنني # مترشّف من ريق فيك البارد
و كأنّ كفّك في يدي و كأنما # بتنا جميعا في فراش واحد
ثم انتبهت و منكباك كلاهما # في راحتيّ و تحت خدّك ساعدي [٣]
[١] النّطع: بساط من الجلد، كثيرا ما كان يقتل فوقه المحكوم عليه بالقتل.
[٢] سحاءة: قشر كل شيء.
[٣] المنكب: رأس العضد و الكتف.