العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٠٤ - باب في المنطق
و قال بعض الحكماء: حظّي من الصمت لي، و نفعه مقصور عليّ و حظي من الكلام لغيره، و وباله راجع عليّ.
و قالوا: إذا أعجبك الكلام فاصمت.
و قال رجل لعمر بن عبد العزيز: متى أتكلم؟قال: إذا اشتهيت أن تصمت. قال:
فمتى أصمت؟قال: إذا اشتهيت أن تتكلم.
و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: ما أعطي العبد شرّا من طلاقة اللسان.
و سمع عبد اللّه بن الأهتم رجلا يتكلم فيخطئ، فقال: بكلامك رزق الصمت المحبة.
باب في المنطق
قال الذين فضّلوا المنطق: إنما بعثت الأنبياء بالكلام و لم يبعثوا بالسكوت؛ و بالكلام وصف فضل الصمت و لم يوصف القول بالصمت؛ و بالكلام يؤمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يعظّم اللّه و يسبّح بحمده. و البيان من الكلام هو الذي منّ اللّه به على عباده فقال: خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ `عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ [١] و العلم كله لا يؤدّيه إلى أوعية القلوب الا اللسان؛ فنفع المنطق عامّ لقائله و سامعه، و نفع الصمت خاصّ لفاعله.
واعد شيء قيل في الصمت و المنطق، قولهم: الكلام في الخير كلّه أفضل من الصمت. و لصمت في الشر كلّه أفضل من الكلام.
قال عبد اللّه بن المبارك صاحب الرّقائق يرثي مالك بن أنس المدني:
صوت إذا ما الصّمت زيّن أهله # و فتّاق أبكار الكلام المختّم [٢]
وعي ما وعى القرآن من كلّ حكمة # و نيطت له الآداب باللحم و الدّم [٣]
و قال عمر بن الخطاب: ترك الحركة غفلة.
[١] سورة الرحمن الآية ٢-٣.
[٢] و فتاق ابكار الكلام المختّم: كناية عن قدرته و بلاغته
[٣] أنيطت: خلطت أو أوكلت.