العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٤٦ - مصعب بن الزبير و رجل من أصحاب المختار
و لما ظفر المأمون بأبي دلف، و كان يقطع في الجبال، أمر بضرب عنقه؛ فقال: يا أمير المؤمنين دعني أركع ركعتين. قال: افعل. فركع و حبّر أبياتا، ثم وقف بين يديه فقال:
بع بي النّاس فإنّي # خلف ممّن تبيع
و اتّخذني لك درعا # قلصت عنه الدّروع [١]
و ارم بي كلّ عدوّ # فأنا السّهم السّريع
فأطلقه و ولاّه تلك الناحية، فأصلحها.
معاوية و أسير من أهل العراق:
أتي معاوية يوم صفّين بأسير من أهل العراق، فقال: الحمد للّه الذي أمكنني منك!قال: لا تقل ذلك يا معاوية، فإنها مصيبة!قال: و أي نعمة أعظم من أن أمكنني اللّه من رجل قتل جماعة من أصحابي في ساعة واحدة؟اضرب عنقه يا غلام! فقال الأسير: اللهم اشهد أن معاوية لم يقتلني فيك، و لا لأنك ترضى بقتلي: و إنما يقتلني في الغلبة على حطام هذه الدنيا؛ فإن فعل فافعل به ما هو أهله، و إن لم يفعل فافعل به ما أنت أهله.
قال له: ويحك!لقد سببت فأبلغت، و دعوت فأحسنت؛ خلّيا عنه.
مصعب بن الزبير و رجل من أصحاب المختار:
أمر مصعب بن الزبير برجل من أصحاب المختار أن تضرب عنقه، فقال أيها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة، و وجهك هذا الذي يستضاء به، فأتعلق بأطرافك و أقول: أي ربّ، سل هذا فيم قتلني؟قال:
أطلقوه. قال: اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض. قال: أعطوه مائة ألف. قال
[١] قلصت: تقلصت و ابتعدت.