العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨ - الرشيد و عبد الملك بن صالح
ثم قال: أما و اللّه لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع [١] ، و عارضها قد لمع [٢] ، و كأني بالوعيد قد وقع، فأقلع عن براجم [٣] بلا معاصم، و جماجم بلا غلاصم [٤] ، فمهلا مهلا؛ فبي و اللّه يسهل لكم الوعر، و يصفو لكم الكدر، و ألقت إليكم الأمور مقاليد أزمّتها، فالتدارك التدارك قبل حلول داهية، خبوط باليد لبوط بالرّجل.
قال عبد الملك: أ فذّا [٥] ما تكلمت أم توأما يا أمير المؤمنين؟قال: بل فذّا.
قال: اتق اللّه في ذي رحمك و في رعيّتك التي استرعاك اللّه، و لا تجعل الكفر مكان الشكر، و لا العقاب موضع الثواب؛ فقد محضت لك النصيحة و أديت لك الطاعة، و شددت أواخي ملكك بأثقل من ركني يلملم [٦] ، و تركت عدوّك سبيلا تتعاوره [٧]
الأقدام، فاللّه اللّه في ذي رحمك أن تقطعه بعد أن وصلته؛ إنّ الكتاب لنميمة واش و بغي باغ؛ ينهش اللحم، و يلغ [٨] في الدم، فكم ليل تمام فيك كابدته، و مقام ضيق فرّجته، و كنت كما قال الشاعر أخو بني كلاب:
و مقام ضيّق فرّجته # بلساني و مقامي و جدل
لو يقوم الفيل أو فيّاله # زلّ عن مثل مقامي و زحل
فرضي عنه و رحّب به، و قال وريت بك زنادي.
الرشيد و عبد الملك بن صالح:
و التفت الرشيد يوما إلى عبد الملك بن صالح فقال: أ كفرا بالنعمة، و غدرا بالإمام؟
[١] الشؤبوب: الدفعة من المطر، و همع: سقط.
[٢] العارض: السّحاب المصحوب بالبرق.
[٣] البراجم: مفاصل الأصابع.
[٤] الغلاصم: جمع غلصمة، و هي رأس الحلقوم و هي الموضع الناتئ في الحلق.
[٥] الفذّ: الفرد.
[٦] يلملم: جبل من الطائف على ليلتين أو ثلاث.
[٧] تتعاوره: تدوسه.
[٨] يلغ: ولغ الكلب من الإناء، أي شرب منه.