العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٥١ - سليمان بن عبد الملك و ابن الرقاع
ثم قال للمطرّف: أ تقر على نفسك بالكفر؟قال: أصلح اللّه الأمير، إن من شق العصا، و سفك الدماء، و نكث البيعة، و فارق الجماعة، و أخاف المسلمين لجدير بالكفر. فخلّى سبيله.
ثم قال لسعيد بن جبير: أ تقرّ على نفسك بالكفر؟قال: ما كفرت منذ آمنت باللّه. فضرب عنقه.
ثم استعرض الأسرى، فمن أقرّ بالكفر خلّى سبيله، و من أبى قتله، حتى أتي بشيخ و شاب، فقال للشاب: أ كافر أنت؟قال: نعم، قال: لكن الشيخ لا يرضى بالكفر. فقال له الشيخ: أ عن نفسي تخادعني يا حجاج؟و اللّه لو علمت أعظم من الكفر لقلته. فضحك الحجاج و خلّى سبيله.
فلما مات الحجاج و قام سليمان، قال الفرزدق:
لئن نفّر الحجّاج آل معتّب # لقوا دولة كان العدوّ يدالها
لقد أصبح الأحياء منهم أذلة # و موتاهم في النّار كلحا سبالها [١]
و كانوا يرون الدائرات بغيرهم # فصار عليهم بالعذاب انفتالها
ألكني إلى من كان بالصّين أو رمى # به الهند ألواح عليها جلالها [٢]
هلمّ إلى الإسلام و العدل عندنا # فقد مات عن أهل العراق خبالها [٣]
سليمان بن عبد الملك و ابن الرقاع:
لما ولي سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله بالأردن: اجمع يدي عديّ بن الرقاع إلى عنقه، و ابعث به إليّ على قتب بلا وطاء، و وكّل به من ينخس به ففعل ذلك.
فلما انتهى إلى سليمان بن عبد الملك ألقى بين يده إلقاء لا روح فيه، فتركه حتى ارتدّ إليه روحه، ثم قال له: أنت أهل لما نزل بك. أ لست القائل في الوليد:
[١] السبال: الشارب.
[٢] ألكني: أرسلني. و يريد بالأمواج: السفن، و الجلال: الشّرع.
[٣] الخبال: الفساد في الرأي.