العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٦٠ - الشيب
و من قولنا أيضا:
نجوم في المفارق ما تغور # و لا يجري بها فلك يدور
كأنّ سواد لمّته ظلام # أغار من المشيب عليه نور
ألا إنّ القتير وعيد صدق # لنا لو كان يزجرنا القتير [١]
نذير الموت أرسله إلينا # فكذّبنا بما جاء النّذير
و قلنا للنّفوس لعلّ عمرا # يطول بنا و أطوله قصير
متى كذبت مواعدها و خانت # فأوّلها و آخرها غرور
لقد كاد السّلو يميت شوقي # و لكن قلّما فطم الكبير
كأني لم أرق بل لم يرقني # شموس في الأكلّة أو بدور
و لم ألق المنى في ظلّ لهو # بأقمار سحائبها السّتور
و لآخر:
و الشيب تنغيص الصّبا # فاقض اللبانة في الشباب [٢]
و قال ابن عباس: الدنيا الصحة و الشباب.
و لبعضهم:
في كلّ يوم أرى بيضاء قد طلعت # كأنّما طلعت في ناظر البصر
لئن قصصتك بالمقراض عن نظري # لما قصصتك عن همّي و لا فكري
و لابن المعتز:
جاء المشيب فما تعست به # و مضى الشباب فما بكاي عليه
و قال أيضا:
ما ذا تريدين من جهلي و قد غبرت # سنو شبابي و هذا الشيب قد و خطا [٣]
[١] القتير: رءوس مسامير حلق الدروع.
[٢] اللبانة: الحاجة.
[٣] غيرت: مضت، و خط الشيب: ظهر و بان و خالط شعر الرأس الأسود.