العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٦٧ - كبرة السنّ
فغمز المأمون الجارية، فقالت له: شبت أبا دلف، إنا للّه و إنا إليه راجعون لا عليك! فسكت أبو دلف، فقال له المأمون: أجبها أبا دلف. فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه.
فقال:
تهزّأت أن رأت شيبي فقلت لها # لا تهزئي من يطل عمر به يشب
شيب الرّجال لهم زين و مكرمة # و شيبكنّ لكنّ الويل فاكتئبي
فينا لكنّ و إن شيب بدا أرب # و ليس فيكنّ بعد الشّيب من أرب
و قال محمود الوراق:
و عائب عابني بشيب # لم يعد لمّا ألمّ وقته [١]
فقلت للعائبي بشيبي # يا عائب الشّيب لا بلغته
أنشدني أبو عبد اللّه الإسكندراني، معلم الإخوة:
و مما زاد في طول اكتئابي # طلائع شيبتين ألمتا بي
فأمّا شيبة ففزعت منها # إلى المقراض من حبّ التصابي
و أما شيبة فعفوت عنها # لتشهد بالبراء من الخضاب!
و قال محمود بن مناذر:
لا سلام على الشّباب و لا حيّ # ا الإله الشّباب من معهود
قد لبست الجديد من كلّ شيء # فوجدت الشّباب شرّ جديد
صاحب ما يزال يدعو إلى العيـ # ب و ما من دعا له برشيد
و لنعم المنيب و الوازع الشّيـ # ب و نعم المفاد للمستفيد [٢]
كبرة السنّ
قيل لأعرابي قد أخذته كبرة السن: كيف أصبحت؟فقال: أصبحت تقيّدني
[١] لم يعد: لم يتجاور، و ألمّ: حضر.
[٢] المنيب: الذي يجعل الإنسان يتوب و يعود إلى رشده.