العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٥ - المأمون و إسحاق بن العباس
قال المأمون: لو لم يكن في حقّ نسبك ما يبلغ الصفح عن زلّتك، لبلّغك إليه حسن توصلك و لطف تنصّلك.
فكان تصويب إبراهيم لرأي أبي إسحاق و العباس ألطف في طلب الرضا و دفع المكروه عن نفسه من تخطئتهما.
المأمون و إسحاق بن العباس:
و قال المأمون لإسحاق بن العباس: لا تحسبني أغفلت إجلابك مع ابن المهلّب و تأييدك لرأيه و إيقادك لناره.
قال: يا أمير المؤمنين، و اللّه لإجرام قريش إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أعظم من جرمي إليك، و لرحمي أمسّ من أرحامهم، و قد قال كما قال يوسف لإخوته: لاََ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ يَغْفِرُ اَللََّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ اَلرََّاحِمِينَ [١] و أنت يا أمير المؤمنين أحقّ وارث لهذه المنة و ممتثل بها.
قال: هيهات. تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام، و جرمك جرم في إسلامك و في دار خلافتك.
قال: يا أمير المؤمنين، فو اللّه للمسلم أحقّ بإقالة العثرة و غفران الزّلة من الكافر، هذا كتاب اللّه بيني و بينك. يقول اللّه تعالى: وَ سََارِعُوا إِلىََ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، `اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي اَلسَّرََّاءِ وَ اَلضَّرََّاءِ وَ اَلْكََاظِمِينَ اَلْغَيْظَ وَ اَلْعََافِينَ عَنِ اَلنََّاسِ وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ [٢] فهي للناس يا أمير المؤمنين سنّة دخل فيها المسلم و الكافر، و الشريف و المشروف.
قال: صدقت. اجلس. وريت بك زنادي [٣] ، فلا قدح ناري من الغابرين [٤] من أهلك أمثالك.
[١] سورة يوسف الآية ٩٢.
[٢] سورة آل عمران الآية ١٣٣.
[٣] وريت بك زنادي: أي تقوّت و أورى النار: أوقدها.
[٤] الغابرين: الماضين.