العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٢٠ - باب في تكليف الرجل ما ليس من طبعه
و قال الخريمي:
يلام أبو الفضل في جوده # و هل يملك البحر ألاّ يفيضا
و قال آخر:
و لائمة لامتك يا فيض في النّدى # فقلت لها هل يقدح اللوم في البحر
أرادت لتثني الفيض عن عادة الندى # و من ذا الذي يثني السحاب عن القطر
و قال حبيب:
تعوّد بسط الكفّ حتى لو أنّه # ثناها لقبض لم تجبه أنامله
و قال آخر:
و قفّع أطرافهم قبضها # فإن طلبوا بسطها تنكسر [١]
و قالوا: إن ملكا من ملوك فارس كان له وزير حازم مجرّب، فكان يصدر عن رأيه و يتعرّف اليمن في مشورته، ثم إنه هلك ذلك الملك و قام بعده ولد له، معجب بنفسه مستبد برأيه فلم ينزل ذلك الوزير منزلته و لا اهتبل [٢] رأيه و مشورته؛ فقيل له: إن أباك كان لا يقطع أمرا دونه. فقال: كان يغلط فيه، و سأمتحنه بنفسي.
فأرسل إليه فقال له: أيّهما أغلب على الرجل: الأدب أو الطبيعة؟فقال له الوزير:
الطبيعة أغلب، لأنها أصل و الأدب فرع، و كلّ فرع يرجع إلى أصله. فدعا الملك بسفرته، فلما وضعت أقبلت سنانير بأيديها الشمع فوقفت حول السفرة، فقال للوزير: اعتبر خطأك و ضعف مذهبك؛ متى كان أبو هذه السنانير شمّاعا؟فسكت عنه الوزير و قال: أمهلني في الجواب إلى الليلة المقبلة. فقال: ذلك لك. فخرج الوزير فدعا بغلام له، فقال: التمس لي فأرا و اربطه في خيط و جئني به. فأتاه به الغلام، فعقده في سبنيّة [٣] و طرحه في كمّه، ثم راح من الغد إلى الملك، فلما حضرت سفرته أقبلت السنانير بالشمع حتى حفّت بها، فحل الوزير الفأر من سبنيّته ثم ألقاه إليها؛
[١] قفّع: قبض.
[٢] اهتبل: اغتنم.
[٣] السبنيّة: ضرب من الثياب تتخذ من مشاقة الكتّان.