العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٤١ - من حلم الأحنف
و ليس يتمّ الحلم للمرء راضيا # إذا هو عند السخط لم يتحلّم
كما لا يتمّ الجود للمرء موسرا # إذا هو عند العسر لم يتجشم [١]
و قال بعض الحكماء: إن أفضل واد ترى به الحلم، فإذا لم تكن حليما فتحلّم؛ فقلّما تشبّه رجل بقوم إلا كان منهم.
و قال بعضهم: الحلم عدّة على السفيه، لأنك لا تقابل سفيها بالإعراض [٢] عنه و الاستخفاف بفعله إلا أذللته.
و يقال: ليس الحليم من ظلم فحلم حتى إذا قدر انتقم، و لكن الحليم من ظلم فحلم ثم قدر فعفا.
و للأحنف، أو غيره:
و لربما ضحك الحليم من الأذى # و فؤاده من حرّه يتأوّه
و لربما شكل الحليم لسانه # حذر الجواب و إنّه لمفوّه [٣]
و قيل: ما استسبّ اثنان إلا غلب ألأمهما.
و قال الأحنف: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال.
و قال بعضهم: إياك و عزة الغضب، فإنها تصيّرك إلى ذلّ الاعتذار.
و قيل: من حلم ساد، و من تفهّم ازداد.
و قال الأحنف: ما نازعني أحد قطّ إلا أخذت أمري بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت قدره، و إن كان دوني أكرمت نفسي عنه، و إن كان مثلي تفضّلت عليه.
و لقد أحسن الذي أخذ هذا المعنى فنظمه فقال:
[١] يتجشّم: يتحمّل.
[٢] أعرض عنه: ابتعد.
[٣] شكل: لجم و امتنع عن الكلام و مفوّه: بليغ.