العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٢٩ - عامر بن عبد اللّه و سرقة عطائه
و قول عمران بن حطان هذا يحتمل غير هذا المعنى، إلا أن هذا أقرب إليه و أشبه به، لأنه أراد أنه مع اليماني يماني، و مع العدناني عدناني، فيحتمل أن ذلك لخوف منه أو مساعدة؛ و كل ذلك داخل في باب الحنكة و الحذق و التجربة.
و قالوا: اصحب البرّ لتتأسّى به، و الفاجر لتتحنّك به.
و قالوا: من لم يصحب البرّ و الفاجر و لم يؤدبه الرخاء و الشدة، و لم يخرج من الظل إلى الشمس مرة، فلا ترجه.
و من هذا قولهم: حلب فلان الدهر أشطره، و شرب أفاويقه. إذا فهم خيره و شرّه، فإذا نزل به الغنى عرفه و لم يبطره، و إذا نزل به البلاء صبر له و لم ينكره.
و قال هدبة العذريّ:
و لست بمفراح إذا الدهر سرّني # و لا جازع من صرفه المتقلب
و لا أتمنى الشرّ و الشرّ تاركي # و لكن متى أحمل على الشرّ أركب
و قال عبد العزيز بن زرارة في هذا المعنى:
قد عشت في الدهر أطوارا على طرق # شتّى فصادفت منه اللين و الفظعا
كلاّ عرفت فلا النّعماء تبطرني # و لا تخشّعت من لأوائه جزعا [١]
لا يملأ الأمر صدري قبل وقعته # و لا أضيق به ذرعا إذا وقعا
و قال آخر:
فإن تهدموا بالغدر داري فإنّها # تراث كريم لا يخاف العواقبا
إذا همّ ألقي بين عينيه عزمه # و أضرب عن ذكر العواقب جانبا
و لم يستشر في أمره غير نفسه # و لم يرض إلاّ قائم السيف صاحبا [٢]
سأغسل عنّي العار بالسيف جالبا # عليّ قضاء اللّه ما كان جالبا
و سئلت هند عن معاوية، فقالت: و اللّه لو جمعت قريش من أقطارها ثم رمي به
[١] اللأواء: الشدّة.
[٢] قائم السيف: مقبضه.