العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣٦ - خطبة ابن الزبير فيهم
تؤذوا الأحياء بسبّ الموتى. فنهى عن سبّ أبي جهل من أجل عكرمة ابنه، و أبو جهل عدوّ اللّه و رسوله، و المقيم على الشرك، و الجادّ في محاربة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قبل الهجرة و المحارب له بعدها، و كفى بالشرك ذنبا؛ و قد كان يغنيكم عن هذا القول الذي سمّيتم فيه طلحة و أبي أن تقولوا: أتبرأ من الظالمين؟فإن كانا منهم دخلا في غمار الناس [١] ، و ان لم يكونا منهم لم تحفظوني بسبّ أبي و صاحبه، و أنتم تعلمون أن اللّه جلّ و عزّ قال للمؤمن في أبويه: وَ إِنْ جََاهَدََاكَ عَلىََ أَنْ تُشْرِكَ بِي مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاََ تُطِعْهُمََا وَ صََاحِبْهُمََا فِي اَلدُّنْيََا مَعْرُوفاً [٢] و قال: وَ قُولُوا لِلنََّاسِ حُسْناً [٣] . و هذا الذي دعوتم إليه أمر له ما بعده، و ليس يقنعكم إلا التوقيف و التّصريح، و لعمري إنّ ذلك أحرى بقطع الحجج، و أوضح لمنهاج الحق، و أولى بأن يعرف كلّ صاحبه من عدوّه. فروحوا إليّ من عشيّتكم هذه أكشف لكم ما أنا عليه إن شاء اللّه تعالى.
خطبة ابن الزبير فيهم:
فلما كان العشي راحوا إليه، فخرج إليهم و قد لبس سلاحه، فلما رأى ذلك نجدة [٤] ، قال: هذا خروج منابذ [٥] لكم. فجلس على رفع من الأرض فحمد اللّه و أثنى عليه و صلى على نبيّه، ثم ذكر أبا بكر و عمر أحسن ذكر، ثم ذكر عثمان في السنين الأوائل من خلافته؛ ثم وصلهن بالسّنين التي أنكروا سيرته فيها فجعلها كالماضية، و أخبر أنه آوى الحكم بن أبي العاصي بإذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و ذكر الحمى و ما كان فيه من الصلاح، و أنّ القوم استعتبوه من أمور ما كان له أن يفعلها أولا مصيبا ثم أعتبهم بعد ذلك محسنا. و أن أهل مصر لما أتوه بكتاب ذكروا أنه منه بعد أن ضمن لهم العتبى ثم كتب ذلك الكتاب بقتلهم. فدفعوا الكتاب إليه، فحلف باللّه
[١] غمار الناس: جهلتهم.
[٢] سورة لقمان الآية ١٥.
[٣] سورة البقرة الآية ٨٣.
[٤] نجدة: ابن عاصم الحنفي الخارجي.
[٥] منابذ: مناجز و معارض.